أفكار ومواقف

السلطة والمال: الحاجة الملحة لمدونة السلوك

أضحى التزاوج بين رجال السلطة ورأس المال ظاهرة عالمية وسببا رئيسا للفساد وهو ما تؤكده مدركات الفساد التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية سنويا. لذلك علينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمل ونقول إننا استثناء وأن الأمور “قمرة وربيع” وأن بعض أهل السلطة وأهل المال منزهون عن الفساد، ولكن يجب ألا نقع في خطأ التعميم؛ نعم هناك توظيف واستثمار في هذه العلاقة التي مهما تم تبريرها وتجميلها تبقى مشبوهة وأن حرص ورعاية بعض المسؤولين والنواب على تمتين روابطهم مع رجال الأعمال لا يمكن أن يكون لوجه الله والأردن. وهذه الحقيقة يعرفها ويعاني منها المسؤولون نتيجة التدخل الدائم سواء من خلال استغلال الموقع السياسي أو البرلماني أو استثمار العلاقات الشخصية لجني المكاسب.
هناك “ولع” و”هيام” أردني بأهل السلطة ونفور من أهل العلم والمعرفة لدرجة التندر عليهم في بعض الأحيان. من يؤسس جمعية خيرية يبحث عن وزير سابق ليصبح رئيسا لها ومن يخطب لابنه يتوسل لبعض المسؤولين المفترض أنهم تقاعدوا ليترأسوا الجاهة ويوثقوا هذه اللحظة التاريخية. ورجال الأعمال وأصحاب المال لا يفوتون فرصة ليقتربوا منهم حتى يستثمروا في أسمائهم، ولا يستطيع أحد أن ينكر وجود هيمنة ونفوذ لهم والهدف واضح وهو وجود رافعة وغطاء سياسي في بلد تتقدم فيه المكانة الاجتماعية للمسؤول مهما كان ضعيفا وهزيلا على أي مبدع ومتميز بعيد عن السلطة وبريقها ونفوذها.
مفهوم ومطلوب أن يسعى المسؤول لتوفير الوسائل التي تساهم في نجاح أي استثمار طالما أنها لا تتعارض مع القوانين التي تضمن حقوق كل الأطراف وبالتالي تنتفي الحاجة لتدخل بعض المسؤولين والنواب للتوافد على الوزارات بشكل شبه دائم بحيث يكون حضور بعضهم في مكاتب الوزراء أكثر من الحضور تحت القبة وفي اللجان وأكثر من خدمة ناخبيهم ومناطقهم المحرومة، والأخطر أن جزءا من المناكفات للحكومة وسياستها لا يخرج عن محاولة الابتزاز والاستثمار وهذا معروف للجميع.
في دول العالم المتحضر هناك مدونة سلوك يوقعها الموظف العام تضمن عدم انخراطه في العلاقة غير المبررة مع الشركات ورجال الأعمال وتحظر عليه العمل معها حتى بعد خروجه من الوظيفة أو على الأقل تمنعه من العمل مع أي جهة كانت ذات مصلحة بعمله السابق لسنوات عديدة أقلها خمس سنوات. ولكن ما يجري أننا نلمس غير ذلك؛ فمجرد مغادرة المسؤول موقعه وخاصة من تبوؤوا مواقع متقدمة في الحكومات نفاجأ بعد أيام وأنه رئيس مجلس إدارة لشركة أو مؤسسة أو مصنع كان غالباً يقع ضمن ولايته الحكومية قبل أسابيع والمفاجأة أكثر عندما يتدخل نفس هذا المسؤول لاستثناء الشركة من قانون تم تشريعه في عهده.
في العام 2010 أقدمت حكومة السيد سمير الرفاعي على تعميم فكرة مدونة السلوك الوظيفي في الدولة وألزمت الموظفين على التوقيع عليها تحت طائلة المسؤولية وكانت سنة حميدة لكن سرعان ما أصبحت من الماضي بفعل تداعيات الربيع العربي وسيادة التنمر والفوضى على القرارات الحكومية.
ربما لا يعجب هذا الكلام الكثيرين فلا أحد يريد أن يعترف بأن حل أي أزمة يستدعي العودة لجذورها وأسباب تفشيها لأنها تجاوزت حدود الظاهرة لتصبح واقعا معاشا. ولعل الحكومة الحالية تستطيع إعادة تفعيل مدونة السلوك وتحظر على المسؤول أن يكون رئيسا لمجلس إدارة أي شركة لا يملكها في الأصل لمدة خمس سنوات على الأقل وأن تضع اطاراً عاماً ينظم العلاقات بين المسؤولين والنواب بحيث تبقى ضمن حدود التشريع والرقابة فقط.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock