فكر وأديان

السلفية وأسئلة المشاركة السياسية (3)

أسامة شحادة*

ما نزال نواصل تسجيل الملاحظات والخواطر على أول ندوة علمية تخصص لبحث الدور السياسي للدعوة السلفية ومشاركتها في اللعبة الديمقراطية في العالم العربي، والتي جمعت بين ممثلين عن السلفية من عدد من البلاد العربية وباحثين ومهتمين عرب وأجانب في هذا الموضوع من غير السلفيين ومن العلمانيين واليساريين، وذلك في ندوة “السلفيون وأسئلة المشاركة السياسية” التي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، في 8/10/2012.
إن الهدف من هذه الملاحظات هو تحديد مواضع الخلاف ونقاط الاشتباك للوصول إلى تفاهمات حولها، حتى تسير العجلة إلى الأمام. فوقت القطيعة فات أوانه، وحان اليوم وقت الاشتباك من أجل الوصول إلى ما يحقق المصلحة العامة.
من القضايا التي أثارت جدلاً في الندوة، مستوى الطرح والبحث للمسائل. فحين يناقش السلفيون بعض تطبيقات الديمقراطية، يرد عليهم خصومهم بالقول: دعوكم من هذا وابحثوا جوهر الديمقراطية، وانظروا إلى الديمقراطية نظرة شمولية، ولا تدققوا في التفاصيل. ولكن حين عرض السلفيون رؤيتهم للديمقراطية والتعددية والحريات العامة والفردية بذات الطريقة؛ وهي تقديم رؤية شمولية والتركيز على المفاهيم والمنطلقات التي تقوم عليها النظرة السلفية، تصاعدت الاحتجاجات، وطُلب الدخول في التفاصيل والتطبيقات الفرعية، مما شكل نقطة خلاف جوهري.
فإما أن يكون البحث في الديمقراطية والتعددية على المستوى النظري من الجانبين السلفي والعلماني، وإما أن يكون البحث على مستوى التطبيقات والتفاصيل من الطرفين أيضاً. أما تقديم الديمقراطية بشعارات ضخمة وكبيرة ورفض بحث التفاصيل لتمريرها، مقابل إخضاع الرؤية السلفية للفحص والتدقيق على مستوى تفاصيل التفاصيل، فهذا موقف غير موضوعي ومرفوض بالكلية.
ويلحق بهذا تكرار مطالبات دعاة الديمقراطية للسلفيين بالأخذ بالديمقراطية كاملة دون تفصيل، ولكنهم في المقابل يطالبون السلفيين بأخذ الكليات وقطعيات الثبوت في الإسلام دون ما سواها.  فهل أصبحت الديمقراطية في مرتبة أعلى من الإسلام؟ هذا موضع نحتاج فيه إلى إجابة واضحة من العلمانيين: ما هو الحال إذا تعارضت الديمقراطية بمفاهيمها مع الإسلام؛ ماذا ستختارون؟ فمثلاً، ما هو موقفكم من تقييد قوانين الأحوال الشخصية بالشريعة الإسلامية، وهو ما يخالف اتفاقية “سيداو” التي تسعى إلى علمنة وجندرة البشرية؟ وهنا الإسلاميون والسلفيون هم من يحتاح إلى ضمانات حقيقية بعدم امتداد العلمنة إلى ما تبقى من أحكام الشريعة في القوانين، كما يحصل من مطالبات علمانية بالخضوع للمواثيق الدولية، حتى لو خالفت الشريعة والدستور!
ما هو موقفكم من منع التطاول على المقدسات الإسلامية؛ كالذات الإلهية والقرآن الكريم وجناب النبي صلى الله عليه وسلم، كما يحدث من قبل كثير من مدعي الأدب والإبداع؟ ما موقفكم من دعوات المنحلين بتشريع وتقنين الشذوذ والدعارة في مجتمعاتنا، بحجة الحريات الفردية والتعددية؟
نقطة أخرى هي أن الديمقراطيين من العلمانيين والإسلاميين مختلفون في معنى الديمقراطية؛ هل هي آليات ووسائل للوصول إلى الحكم الأفضل بين الناس، أم هي آليات ومفاهيم تنفصل عنها؟
والذين يقولون إن الديمقراطية آليات ومفاهيم مختلفون أيضاً في ماهية هذه المفاهيم. ولذلك، تجد أن هذه المفاهيم تتزايد مع الزمن، ولا يبدو أن هناك سقفا أو حداً ستقف عنده، لكن الواضح والظاهر منها أنه كلما شارك المسلمون في آليات الديمقراطية، كالانتخابات وفصل السلطات والانتقال السلمي للسلطة، وفازوا، أضيفت مفاهيم للديمقراطية تعوض الخاسرين (اقرأ العلمانيين بألوانهم) عن خسارتهم الدائمة! وهذه حال لا يجوز بحال استمرارها.
إن المفهوم البسيط والشائع للديمقراطية وهو أنها: حق الشعب في حكم نفسه بنفسه بدون قيود، مفهوم مخالف للإسلام جملة وتفصيلاً؛ إذ لا يصح إسلام مسلم إلا إذا آمن وأقر بأنه عبد لله عز وجل، خاضع لحكمه وشرعه في كل مجالات حياته “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” (الأنعام، الآية 162). والمسلم لا يصح منه إسلام ولا يثبت له إيمان إذا رفض حكم الله عز وجل الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: “وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك” (المائدة، الآية 49).
والإسلاميون بكافة أطيافهم مجمعون على رفض هذا المفهوم للديمقراطية، والذي يمنح حق التحليل والتحريم للبشر، لأنهم يؤمنون بأن هذا الحق هو محصور بالله عز وجل فقط. فهذا هو العلامة رشيد رضا يقول في تفسيره (5/165): “لا فرق أبدا بين الديمقراطية كنظام حكم وبين الشورى الإسلامية إلا في جزء واحد، وهو أنهم في العمل الديمقراطي يقحمون الناس في كل شؤون الحياة لأنه لا نص هنالك ولا مقدس، لكن في الإسلام هناك نصوص قاطعة الثبوت والدلالة لا مجال للاجتهاد أو إبداء الرأي بالقبول والرفض فيها… وعندما نقول بأن ديمقراطيتنا محدودة بما ورد فيه نص، فلا يخرجنا ذلك عن منظومة العمل الديمقراطي، لأن كل بلد وأمة تطبق الديمقراطية مع الوضع في الاعتبار البيئة والمكان والزمان الذي تطبق فيه… وهذه الأسوار والحدود الضابطة موجودة في كل الأنظمة الحديثة وليس في النظام الإسلامي فقط، بيد أن تلك الضوابط عندنا هي نصوص إلهية قاطعة الدلالة قطعية الثبوت، وعند الآخرين هي اجتهادات بشرية محضة”.
وهذا الكاتب فهمي هويدي، وهو من كبار دعاة الديمقراطية، يقول في  كتابه “الإسلام والديمقراطية”: “إننا حين نتحدث عن دولة دينها الرسمي الإسلام، والشريعة هي مصدر أساسي للتشريع، فعلى الجميع احترام هذا النص الوارد في الدستور، خاصة عند أولئك الذين ليست الشريعة معتبرة عندهم. نحن نقول إنه إذا توافق المجتمع على هذا الدستور يغدو احترام بنوده ضرورياً. وأنا أظن أن ذلك ضروري من باب احترام الرأي الآخر أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن تأتي أحزاب لتنكر ثوابت الإسلام في مجتمع غالبيته الساحقة من المسلمين؛ لأن هذه الأحزاب لن يؤيدها أحد. بعيداً عن موضوع الحضور الشعبي، أنا أتحدث عن جانب حقوقي”.
أما الشيخ يوسف القرضاوي فيشرح لنا الديمقراطية التي ينادى بها فيقول: “الذي يعنينا من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها، وجوهره أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها… والذي يهمنا اقتباسه من الديمقراطية هو ضماناتها وآلياتها التي تمنع أن تزيف وتروج على الناس بالباطل. أما دعوى بعض المتدينين أن الديمقراطية تعارض حكم الله، لأنها حكم الشعب، فنقول لهم: إن المراد بحكم الشعب هنا: أنه ضد حكم الفرد المطلق، أي حكم الدكتاتور، وليس معناها أنها ضد حكم الله، لأن حديثنا عن الديمقراطية في المجتمع المسلم، وهو الذي يحتكم إلى شريعة الله”.
وبهذا، يتبين لنا أنه لا موقف خاصا للسلفيين من الديمقراطية، بل هو موقف قديم وموحد لجميع الإسلاميين، بقبول آلية الانتخاب وفصل السلطات ومحاسبتها وحق اختيار الحكام، ورفض لحق التشريع المطلق للبشر بما يخالف شرع الله عز وجل ودينه. ويمكن الاستفادة من الحالة المغربية التي تتجلى فيها المرجعية الإسلامية للدولة بوضوح، بحيث إن جميع الأحزاب، بما فيها الأحزاب غير الإسلامية، تعلن احترامها لهوية الدولة ومرجعيتها الإسلامية، لتكون نموذجاً ننطلق منه في احترام هوية ومرجعية الأمة، وتتنافس الأحزاب فيه لخدمة الشعب باقتراح السياسات البناءة والمشاريع الواعدة. وللحديث صلة
*كاتب أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock