ترجمات

السماح لإيران بأن تصبح نووية

روبرت ساتلوف* – (أميركان بيربوس) 23 أيلول (سبتمبر) 2022

لا يبدو أن أياً من كل الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة لتسهيل التوصل إلى اتفاق أقنعت إيران بالتوقيع على “خطة العمل الشاملة المشتركة” الجديدة.

وحتى مع هذه الحوافز الإضافية، ما تزال إيران ترفض توقيع اتفاق. وفي الواقع، تشير أحدث التقارير إلى أن طهران شددت موقفها في المقام الأول.

* *
لماذا تتخذ إدارة بايدن هذا الموقف اللامبالي تجاه برنامج إيران النووي؟ عندما كان جو بايدن ما يزال مرشحاً للرئاسة الأميركية، كتب مقال رأي عن السياسة الخارجية الأميركية، وبالتحديد عن الجمهورية الإسلامية، أعلن فيه أن “تصحيح السياسة تجاه إيران يمثل أولوية”.

وأعرب عن قلقه العميق من اقع أن قرار دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي للعام 2015، أو “خطة العمل الشاملة المشتركة”، سمح لإيران بالحصول على مخزون ضخم من اليورانيوم المخصب، مما قلص فترة تجاوزها للعتبة النووية من عام إلى “بضعة أشهر فقط”.

ثم تعهد بايدن بإعادة الانضمام إلى الاتفاق “إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم” به.

ومنذ ذلك الحين، ساد هذا النهج الدبلوماسي على السياسة الأميركية بشكل أساسي، إذ ما تزال واشنطن مستعدة لإعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي عند موافقة إيران.

لكن طهران لم تعلن موافقتها بعد، على الأقل حتى كتابة هذه السطور. وفي غضون ذلك، ازداد الوضع سوءاً.

منذ أن تولى بايدن منصبه، خصب الإيرانيون اليورانيوم بشكل مكثف.

وقد تجاوزوا حدود “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وقاموا بتخصيب اليورانيوم بنقاء يصل إلى 20 ثم 60 في المائة باستخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً وتقدماً بكثير من تلك المسموح بها بموجب الاتفاق الأصلي.

ونتيجة لذلك، ووفقاً لـ”الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، أنتجت إيران قرابة أربعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، من بينها 55.6 كيلوغرام بنسبة 60 في المائة.

وإذا قررت إيران استخدام هذا اليورانيوم لأغراض عسكرية، فيمكنها أن تندفع بسرعة باتجاه تخصيب يصل إلى نسبة 90 في المائة في غضون أسابيع فقط، مما يمكنها من أن تنتج ما يكفي من المواد الانشطارية لصناعة أجهزة نووية متعددة.

وبينما يعتقد معظم الخبراء أن صنع قنابل قابلة للتسليم سيستغرق وقتاً أطول بكثير، إلا أنه لا أحد يعلم فعلياً حالة برنامج “التسلح” الإيراني، إذ من السهل إخفاء عمليات المحاكاة الحاسوبية والاختبارات المخبرية، كما لم تكن هناك عمليات تفتيش شاملة للمنشآت المعروفة، ناهيك عن تلك غير المعروفة، منذ أكثر من عام ونصف.

باختصار، يعد التهديد النووي اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه عند تولي بايدن منصبه. وللمفارقة، لم تفعل واشنطن الكثير فعلياً حيال ذلك.

على الصعيد الدبلوماسي، حسنت الإدارة الأميركية عرضها لحث إيران على إبرام اتفاق نووي جديد. وبينما تصدت واشنطن -عن حق- لمطالب إيران بإزالة “الحرس الثوري الإسلامي” من القائمة الرسمية لـ”المنظمات الإرهابية الأجنبية” الأميركية، إلا أنها قدمت تنازلات بشأن العديد من البنود الأخرى.

فيما يتعلق بالجانب النووي من الاتفاق، يُزعم أن الولايات المتحدة وافقت على السماح لإيران بالاحتفاظ بآلاف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي صنعتها، في المخازن من دون استخدامها، بما يخالف شروط الاتفاق الأصلي.

ومن خلال اعتراف المفاوضين الأميركيين، فإن النتيجة التراكمية لمثل هذه التنازلات هي أن الاتفاق الجديد لن يؤدي سوى إلى إعادة فترة “تجاوز” إيران للعتبة النووية إلى ستة أشهر، وهي نصف ما كانت عليه عندما انسحبت الولايات المتحدة من “خطة العمل الشاملة المشتركة” في العام 2018.

ومن الناحية الاقتصادية، يزعم أن الاتفاق الجديد يمنح إيران إمكانية الوصول الفوري إلى عدد معين من الأصول المحظورة، حتى قبل أن تصدّر معظم مخزونها الضخم من اليورانيوم المخصب لحفظه في بلد ثالث.

كما أنه يفسح المجال لإيران للالتفاف على الحظر المفروض على المعاملات المالية مع “الحرس الثوري الإسلامي”، الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني، من خلال تقديم خيار للشركات الدولية بممارسة الأعمال التجارية مع الشركات التي يمتلك “الحرس الثوري” الإيراني حصة جزئية فيها (ولكن ليس حصة مهيمنة).

ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من كل هذه الخطوات قد أقنعت إيران بالتوقيع على “خطة العمل الشاملة المشتركة” الجديدة. وحتى مع هذه الحوافز الإضافية، ما تزال إيران ترفض توقيع اتفاق. وفي الواقع، تشير أحدث التقارير إلى أن طهران شددت موقفها من الأساس.

لماذا ترفض إيران الآن عرضاً أفضل من ذلك الذي وافقت عليه قبل سبع سنوات، علماً أن القيود المفروضة على برنامجها النووي، المعروفة بـ”أحكام الانقضاء”، تبدأ صلاحيتها بالانتهاء خلال ثلاثين شهراً فقط؟

هناك بضعة تفسيرات محتملة، أو مجموعة من التفسيرات المحتملة. ربما حققت إيران مثل هذا التقدم التكنولوجي الهائل لدرجة أنها لا تريد إيقاف برنامجها النووي.

وربما لا تكون العقوبات الحالية مؤلمة تقريباً كما نعتقد، حيث تكسب إيران ما يكفي من مبيعات النفط شبه السرية بحيث أن مزايا صفقة جديدة لا تعد مغرية بما يكفي لاستبدال الواقع الحالي بمستقبل مجهول. ولعل إحجام إيران عن عقد اتفاق جديد يعكس الجدل الدائر على أعلى مستويات الحكومة، أو ربما تنتظر طهران ببساطة عرضاً أفضل من واشنطن.

بغض النظر عن السبب الفعلي لذلك، يتمثل الواقع الخطر بأن برنامج إيران النووي يتقدم بسرعة، بينما لا تفعل الولايات المتحدة شيئاً يذكر حيال ذلك.

اتفاق نووي جديد مع إيران لن يمنعها من صنع قنبلة نووية

ويبدو أن حوافزها لا تنجح. وتتردد إدارة بايدن في السعي وراء أي من جانبي الضغط الأكثر مناقشة على نطاق واسع، وهما: تشديد العقوبات؛ أو جعل إمكانية اللجوء إلى بديل عسكري واقعاً.

ويعني الوجه الأول من الضغط معاقبة الصين، التي تشتري معظم النفط الإيراني، وهي خطوة قد تدفع بكين إلى انتهاج سلوك أكثر عدوانية في شرق آسيا بينما تقيد في الوقت نفسه إمدادات النفط العالمية، وربما تزيد من التضخم. ومن شأن الوجه الثاني من الضغط أن يثير القلق بشأن نشوب نزاع مسلح في الخليج، والذي تقول الإدارة الأميركية إنها تحرص على تجنبه.

كانت النتيجة تقاعساً مذهلاً في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية النووية الإيرانية. فقد تشجب الإدارة الأميركية علناً التقدم المقلق الذي تحرزه إيران نحو تطوير قدرة في مجال الأسلحة النووية، لكنها أيضاً لا تفعل الكثير حيال ذلك.

هنا، اسمحوا لي أن أدلي بوجهة نظري الشخصية: أنا أعارض العودة إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة”، لأنها معيبة للغاية، وأعارض بشكل خاص الشروط المحسنة التي عرضتها الولايات المتحدة منذ ذلك الحين لإغراء إيران بقبول نسخة ملطفة من الاتفاق.

أعتقد أنه مهما كانت فوائد حظر الانتشار النووي التي قد يسفر عنها الاتفاق، فإن إيران ستحصد مزايا هائلة تفوق بكثير هذه الفوائد، بدءاً من إضفاء الشرعية على تقدمها النووي غير القانوني بشكل فاضح إلى تلقي مكافآت مالية كبيرة من شأنها تعزيز أعمال التخريب والإرهاب في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وفي رأيي، أصبحت الولايات المتحدة أساساً في عالم ما بعد “خطة العمل الشاملة المشتركة”.

والآن، يجب أن ينصب تركيز واشنطن على التنسيق مع حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط بشأن استراتيجيات لردع إيران عن إحراز المزيد من التقدم النووي.

الخصوم الإسرائيليون متفقون في رفض الاتفاق النووي الإيراني

لكن إدارة بايدن تتبنى وجهة نظر مختلفة، إذ تعتقد أن الصفقة النووية الجديدة تستحق العناء.

وفي الواقع، تعتبر أن الاتفاق النووي الجديد هو السبيل الوحيد لوقف تقدم إيران النووي الجامح، لكنها لا تفعل الكثير لإلزام إيران بقبول اتفاق جديد.

وإليكم اقتراحا: إذا أرادت إدارة بايدن تجنُّب ألم تشديد العقوبات أو الخوف من عمل عسكري، يمكنها أن تلجأ إلى طريقة ثالثة لرفع تكلفة رفض إيران للقبول باتفاق نووي، وهي التهديد بإلغاء التنازل الأساسي في صلب “خطة العمل الشاملة المشتركة” الأصلية، وهو الاعتراف بـ”حق” إيران “في التخصيب”.

أكثر من أي شيء آخر، كان أعظم إنجازات إيران في “خطة العمل الشاملة المشتركة” الأصلية هو اكتساب الشرعية الدولية لمطالبتها بالحق في التخصيب.

وهي المطالبة ذاتها التي أصرت واشنطن على دول أخرى، مثل الإمارات العربية المتحدة، أن تتنازل عنها إذا أرادت التعاون مع الولايات المتحدة في المجال النووي.

وإذا كانت إدارة بايدن تريد فعلاً تهديد إيران، فإنها يمكن أن تعيد “حق التخصيب” إلى طاولة المفاوضات.

وتتمثل الطريقة الأكثر فاعلية للقيام بذلك في الحصول على التزام من دولة أخرى موقعة على “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وهي على الأرجح بريطانيا، بإطلاق آلية “العودة إلى الحالة السابقة” للاتفاق بحلول تاريخ محدد، مما سيطيح فعلياً بما تبقى من “خطة العمل الشاملة المشتركة” إذا لم توافق إيران على العودة إلى الاتفاق.

أكرر أنني لم أحبذ أبداً “خطة العمل الشاملة المشتركة” الأصلية، وبالتأكيد لا أحبذ النسخة الملطفة التي تعرضها إدارة بايدن على إيران حالياً.

ولكنني لا أحبذ كذلك التقاعس الأميركي. فإذا كانت واشنطن تعتقد حقاً أن الاتفاق النووي الجديد هو الطريقة الأكثر فاعلية لوقف برنامج إيران النووي الجامح، فلا ينبغي ببساطة انتظار قبول إيران باتفاق تتراجع قيمته في كل يوم تجلس فيه طهران على طاولة المفاوضات. يجب على الولايات المتحدة أن تتصرف، والآن.

*روبرت ساتلوف: المدير التنفيذي لمعهد واشنطن منذ العام 1993. ونظراً لكونه خبيراً في السياسات العربية والإسلامية، إضافة إلى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، فقد كان للدكتور ساتلوف العديد من الكتابات والخطابات حول عملية السلام العربي الإسرائيلي، والتحدي الذي يمثله الإسلامويون تجاه النمو الديمقراطي في المنطقة، والحاجة إلى دبلوماسية عامة تتميز بالجرأة والابتكار بالنسبة للعرب والمسلمين.

نشرت هذه المقالة في الأصل على موقع American Purpose، تحت عنوان: Letting Iran Go Nuclear. الترجمة لمعهد واشنطن.

 اقرأ المزيد في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock