;
أفكار ومواقف

السمرة: صفحةٌ طُوِيَتْ من تاريخ الأردن

بِترجُّلِ أستاذ الأجيالِ والناقد والأكاديميّ الكبير الدكتور محمود السمرة، تُطوى صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخِ الأردن؛ فهو أحد علماء كبار، عرب وأردنيين وأجانب، أسسوا كليّةَ الآداب، أولى الكليّات في الجامعة الأردنيّة الأم.
 وهو أحد مثقفين كبارٍ ساهموا في تنشيط الحركة الثقافية في مطلع ستينيات القرن الماضي، حيثُ رفدوا الإذاعة الأردنيّة بأرفع البرامج، والصحف بأهم المقالات، داخل البلد وخارجها. وهو إلى ثقافته العربية التراثية المتينة كان ضليعاً في الثقافة الغربية والآداب العالمية وحركة النقد الحديث فيها؛ فهو خريجُ أعرق المؤسسات التعليمية في عصره؛ الكليّة العربية في القدس، وجامعة القاهرة حيث تتلمذ على أيدي كبار علمائها من طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين وغيرهم، وخريجُ معهد سواس SOAS  الشهير في جامعة لندن.
عمل الراحل نائباً لرئيس تحرير مجلة العربي التي ما تزال تصدر من الكويت، العالم الدكتور أحمد زكي، تلك المجلة التي كنا ننتظر صدورها الشهري، لننهل مما كان يتيحُه لنا الناقد الكبير من كتابِ الشهر، ومن موضوعاتٍ ثرةٍ من المعرفة الكونيّة، ومن استطلاعاتٍ عربيّة، ومن دراسات عميقةٍ، متجاوزةً المحليَّ إلى مشترَكٍ عروبيّ.
وفي الجامعةِ كان حريصاً على صالون الثلاثاء النقدي الذي امتدَّ لسنواتٍ وسنواتٍ، يجمعُ المريدين والمريدات على مائدِة النقد والأدب، وقد تحوّلَ بعد تقاعده إلى يوم السبت في بيته. كما كان وراء المؤتمر الثقافي السنوي الذي عُقِدَ عدداً من المرات في الجامعة الأردنية، ومؤتمر الفلسفة، حيثُ كان يُدعى كبارُ الأدباء وأهل الفكر والفلسفة محليّاً وعربيّاً. وكان هذان المؤتمران حدَثين مهمين في حياة البلد الثقافية. مثلما كان إسهامه في تأسيس رابطة الكتاب الأردنيّين حدثاً مهماً آخر أحدثَ نقلةً في هذه الحياة.
كان أستاذي السمرة أحد أهمّ من شكّلَ وعيي الفكريّ والنقديّ والجماليّ والمعرفيّ، وله فضلٌ عليَّ في ذلك لا يُنسى. كان أنيقَ المظهر، حضاريَّ السلوك، راقيَ التعامل، جديَّ السمت. وكان حداثيّ المنزع، يكرهُ التعصُّب وله رأيٌ صارمٌ في الأيديولوجيا، في وقتٍ لم نكن نتبيّنُ بعدُ أثرها الفتّاك في العقل العربيّ وحياة شعوبِه. كما كان له هذا الرأي نفسه فيما يسمى بالأدب الملتزم. إذ منزعه الجمالي في تلقّي الفن والأدب هو الذي كان يقودُ منهجَه التكامليَّ في النقد، وهو منهجٌ أثَّرَ في طلبته عميقاً، وأنا منهم؛ فقد بنيتُ رسالتي للماجستير، التي أكرمني بالإشراف عليها، على هذا المنهج.
 ولم يعد بإمكاني أن أتناول النص من منظورِ المدارسِ الفنيّة، أو من منظور القضيّة التي يعالجها. وهو أمرٌ عظيمٌ، جعلني أقربَ إلى النزعة الإنسانيّة، وقيم الحريّة التي كان ينتصرُ لها.
لم يكن أستاذي صدامياً في قراءته للواقع، بل كان في الواقع ليّن العريكة، مع صلابةٍ. وعرفته في حياته الأسريّة زوجاً وأباً وأخاً، يجلُّ المرأةَ والكرامةَ الإنسانيّة، ويحبُّ حياةَ الدَّعة، ويحترم الصداقة.
وقد ربطتهُ بالراحل الدكتور إحسان عباس صداقةُ عمر، التقيا فيها على الوداد ونقاء المشرب. هذا المشرَب الذي سمحت لي الحياةُ أن أنهلَ منه. ومن غريبِ الشواهدِ أن الحياة أتاحت لي أن أرتبط بصداقاتٍ وودّ مع أفراد عائلته جميعاً؛ السيدة سهام اليحيى (أم الرائد) صاحبة كتاب “أيامي معك”، وهو كتاب ثمين تتحدّث فيه الكاتبة عن حياتها مع رفيق دربها، يتصادى مع كتاب سيرته الذاتية “إيقاع المدى” ويتقاطعُ معه بطبيعة الحال. كما ربطني الودّ مع ابنه الدكتور المهندس رائد وابنته مي وصهره الدكتور أسعد عبد الرحمن، وريا وزوجها كلما التقينا.
ما أفرغَ الحياة من دونكَ يا أستاذي. فأنا كلما انتُزِعَ من حياتي غالٍ، افتقدتُ مني ذراعاً أو كتفاً أو كبداً أو عيناً أو فؤاداً. لقد غمرتَني بكرمك الأكاديميّ والفكريّ والإنساني، وأنا لك شاكرةٌ حتى ما بعد النفَسِ الأخير.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock