أفكار ومواقف

السودان: تاريخ مجهول وفرص ضائعة

السودان الحالي اسم لم يُطلق على أرضه الحالية إلا أوائل القرن التاسع عشر. واعتاد العرب إطلاق التسمية على مناطق أفريقيا الغربية حول نهر السنغال. وقيل إن سكانها من صنهاجة، أسسوا أول إمبراطورية إسلامية أمازيغية في التاريخ، شملت موريتانيا ومالي والسنغال والمغرب، وأكثر الأندلس والجزائر. وربط البعض بين كلمة صنهاجة وزنج، وأطلق المؤرخون على الدولة اسم المرابطين (1056-1148) التي بنى سلاطينها عدداً من المدن، مثل مراكش (1062) وبجاية (1064) وتمبكتو (1100)، وأوقفوا الزحف الإفرنجي على دار الإسلام في الزلاقة (1088)، فتوجه الإفرنج إلى دار الإسلام الشرقي، واحتلوا الساحل السوري وفلسطين العام 1098، حيث انهارت المقاومة العربية الإسلامية رغم نصر ملازكرد العام 1070، الذي سبق ضياع طليطلة العام 1085، ونصر الزلاقة.
اعتقد والي مصر العثماني، محمد علي باشا، أن جيوشه التي توغلت في الجنوب قد وصلت السودان. وفوجئ مستشاروه بهوية سكان السودان الجديد، لأنهم وجدوه غير مسلم، فيما السودان الذي فتحه المنصور الذهبي السعدي المغربي، أواخر القرن السادس عشر، كان إمبراطورية اسلامية. وسقط اسم السودان الغربي في الغرب بعد العام 1965، وبقي لنا السودان الجديد الشرقي.
بدأ محمد علي حملته السودانية في تموز (يوليو) 1820. وكان قد خطط لها بعد مذبحة المماليك، لأن الناجين منهم لجأوا إلى دنقلة السودانية. وشغل محمد علي فترة بحروبه ضد آل سعود إلى أن احتل الدرعية العام 1818. وتوغلت الحملة المصرية في السودان باسم مصر. ويلاحظ أن أكثر الحكام لم يكونوا عرباً ولا مصريين، بل إن عدداً من حكام المقاطعات كانوا من الإفرنج.
وبرز المهدي الذي قتل غوردون يوم 25 كانون الثاني (يناير) 1885، ثائراً على فساد الإدارة وطابعها الإفرنجي، وأيده عبدالله التعاشي من أهل دارفور. وهزم الحملات المصرية التي أرسلت ضده. ولكن البلجيك القادمين من الكونغو هزموا التعاشي، وكذلك هزمهم منليك الحبشي. وأخيراً، هزمته الحملة المصرية الإنجليزية أواخر 1898، وأصبح السودان بريطانياً.
واتبع الإنجليز سياسة إغلاق وتفريق، وحاولوا الحد من الاتصال بين الشمال والجنوب، وأغلقوا النوبة أمام أهل الشمال. كما شجعوا جماعات عرقية تتكلم أكثر من مائة لهجة وتدين بمذاهب مختلفة ممزقين. وأخيراً استقل السودان في 19 كانون الأول (ديسمبر) 1956. ولكن السودانيين عانوا من تسلط العسكر. فقد قاد ابراهيم عبود انقلاباً في 16/1/1958 وحكم حتى 1964، عندما تولت الأمور حكومة دستورية. وقاد جعفر النميري انقلاباً في أيار (مايو) 1971 وحكم الى أن أطاح به انقلاب في 6/4/1985، وعاد المدنيون إلى السلطة. وأخيراً، قاد عمر حسن البشير انقلاباً ثالثاً في حزيران (يونيو) 1988. أي إن فترة الحكم الدستوري لم تتجاوز ثلث  فترة الاستقلال.
والسودان (قبل انفصال جنوبه) أكبر الدول العربية مساحة، بل وأكبر الدول الأفريقية أيضاً، وتاسع دولة في العالم؛ مساحتها مليونان ونصف المليون كيلو متر مربع، ويمتد عبر أكثر من عشرين درجة عرض؛ من العشرين شمالاً إلى قرب خط الاستواء بدرجة جنوباً، وتجاوره تسع دول أفريقية، أي سدس الدول الأفريقية، هي تشاد وأفريقيا الوسطى والكونغو وأوغندا وكينيا والحبشة وأرتيريا، بالإضافة إلى مصر وليبيا.
والسودان ثاني دولة عربية سكاناً، والثالثة في أفريقيا، والسادسة والثلاثون في العالم. ويشكل سكانها مع سكان مصر والصوماليين ثلث العرب. ويسكنها سبع وثلاثون مليوناً أو 12 % من سكان العالم العربي. وسكانها العرب أقل قليلاً من نصف السكان (49 %)، يتعايشون مع الدنكا ( 11.5 %) والنوبة ( 8.1%)، والبجا (6.4 %) وآخرين. وأكثر السكان مسلمون سنيون بنسبة 70 %، ومسيحيون 16 % نصفهم كاثوليك.
ورغم الجهود البريطانية الحثيثة، ونشاط الإرساليات، وعزل الجنوب أحياناً عن الشمال، فإن المسيحية لم تنتشر في السودان كما أمل الانجليز والفاتيكان. وبقي عدد السودانيين غير المسلمين مساوياً لعدد السودانيين المسيحيين. ولم يهتم العرب والمسلمون بالسودان الاهتمام المطلوب.
كان على العرب والمسلمين أن يعتبروا السودان نموذجاً للتعايش بين العرب وغير العرب وبين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى، ليصبح السودان مثلاً يحتذى به في أفريقيا وباقي بلاد المسلمين. ولكنهم لم يظهروا الاهتمام المطلوب بأحداث السودان الذي عانى من حرب أهلية قاسية عمرها يتجاوز ثلث قرن، وما نزال نسمع عن مآسي الجنوب والغرب. وليس الدين هو السبب في المآسي؛ اذ لا يشكل أي دين أكثرية في الجنوب، بينما يكاد سكان دارفور أن يكونوا مسلمين، بل أعرق الأفارقة اسلاماً، وأسبق إليه من سكان منطقة الخرطوم وأم درمان.
ولو دعم العرب تنمية السودان اقتصادياً، لحقق معجزات. إذ يهطل على السودان نصف الأمطار التي تهطل على العالم العربي كله. ويمر به النيل، وكثير من روافده؛ ما جعله غنيا بالمياه السطحية والجوفية أكثر من أي بلد عربي آخر. وهو غني بالغابات والمراعي وأحواض المياه الغنية بالأسماك. ويبلغ عدد مواشيه أكثر من مائة وعشرين مليون رأس. أي بمقدوره إطعام العالم العربي كله، لو أحسن الحكام التخطيط.
ولو أن الدول المستفيدة من الطفرة البترولية استغلت الفائض المالي لديها في السودان، لأغناها في المستقبل عن البترول. ولا ننسى أن السودان فيه بترول وذهب أيضاً، وينتج الكثير من النباتات الزيتية. وهو لا يحتاج إلى حسنة من أحد، بل هو التربة الخصبة لتنمية مصادر الدخل وتنويعها. كما أن الخليجيين أصلح من غيرهم لإقناع ملايين المسلمين في دارفور مثلاً بحسن نواياهم.
وأنا استغربت اهتمام الغرب بمأساة أهل دارفور لأننا أولى بالاهتمام. ولو أحسنا التعامل معهم ورعايتهم، لكانوا خير رسل للإسلام الإنساني في أواسط أفريقيا وفي الدول الأفريقية السوداء السبع المحيطة بالسودان. والاستثمار في الإنسان السوداني سريع العطاء وجيده، وأكثر أنواع الاستثمار إنسانية.
وأنا أدعو دول الجزيرة العربية إلى تقليص اهتمامها بالدول الأخرى والتركيز على السودان والصومال وجيبوتي وأرتيريا. وهذه الدول تشكل امتداداً للجزيرة العربية. وجزر دهلك الأرتيرية الآن كانت تعتبر مع برها حجازية، ونفى الخليفة إليها الشاعر عمر بن أبي ربيعة خلال القرن الأول؛ أي أن الصلة بها قديمة. وأعتبر العثمانيون أرتيريا والبجا امتداداً للحجاز وجزءاً من ولاية جدة، لذا رفض السلطان منح محمد علي باشا ولاية عليها. وبما أن عهود الولاية والسيادة قد ولت، فليبدأ أهل الحجاز والجزيرة العربية عهداً جديداً من المحبة والإخاء يمتد إلى أرتيريا والصومال والسودان، ويشمل البجا والنوبة ودارفور وكردفان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock