ترجمات

السودان على حافة الهاوية: سقوط حتمي أم طريق أفضل إلى الأمام؟

ألبرتو فرنانديز* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 10/7/2020

في الثلاثين من حزيران (يونيو)، تدفق عشرات الآلاف من المتظاهرين السودانيين إلى شوارع الخرطوم والمدن الرئيسية الأخرى مطالبين بتغييرات تشمل الانتقال الكامل إلى الديمقراطية والحكم المدني. فبعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام عمر البشير الذي دام ثلاثة عقود، قد تندفع البلاد في أي من الاتجاهين -نحو أنماط مألوفة من الخلل الوظيفي، أو نحو مسار رائد لا يعود بالفائدة على سكان السودان البالغ عددهم 40 مليون نسمة فحسب، بل وأيضاً على العالم العربي الأوسع وما يتخطاه.
تمتلئ منطقة إفريقيا والشرق الأوسط بالدول العاجزة سياسياً واقتصادياً، وبالبلدان التي أصبحت على حافة الهاوية، وبالقصص التي تُستقى منها العبر. ولكن، في منطقة مقدّر لها أن تواجه أنواعاً مختلفة من الحكم الاستبدادي كما يُفترض، فإن تاريخ السودان الفريد -كأول دولة تُسقِط نظاماً إسلامياً راسخاً بمبادرتها الخاصة- قد يحطم العديد من التوقعات الراسخة.
الآن، أمام الولايات المتحدة خيار مصيري في هذه اللحظة المحورية. باستطاعتها أن تتعامل مع السودان كما لو أن لديها متّسع من الوقت لتصحيح الأمور بينما يتبدّد الأمل في الخرطوم، أو أنها قد تعطي الأولوية لذلك البلد باعتباره حالة ملحّة تستدعي الدعم الفوري -أي حالة تقدم فوائد حقيقية للمصالح الإقليمية للولايات المتحدة.
ما الذي جلب السودان إلى حافة الهاوية؟
قام بتنظيم مظاهرة 30 حزيران (يونيو) “لجان المقاومة” التي شَكلت معظم القاعدة الشعبية لـ”قوى إعلان الحرية والتغيير”، وهي ائتلاف واسع يضم الجماعات التي أثبتت أهميتها في إسقاط نظام البشير في نيسان (أبريل) 2019. وجاء ذلك السقوط على شكل انقلاب عسكري، ولكن لم يكن من المرجح أن يَحدث من دون وجود حركة شعبية واسعة ودائمة. وقد أحيت آخر مظاهرة في 30 حزيران (يونيو) ذكرى “المسيرة المليونية” التي جرت في العام الماضي وساعدت على تحقيق إنجاز كبير في التحول الذي يشهده السودان.
تطرق المتظاهرون هذا العام إلى العديد من القضايا، غير أن مطالبهم الأساسية تتلخص في ما يلي: انتقال أسرع نحو الحكم المدني؛ ومزيد من الحزم من قبل المدنيين الذين يسيطرون بالفعل على السلطة؛ والابتعاد بشكل أكبر عن عناصر النظام الإسلامي السابق الذي ما يزال متأصلاً في البيروقراطية؛ والمساءلة عن انتهاكات النظام السابق؛ ومنح الجيش سلطة أقل. وتشكّل هذه التغييرات خطوة طبيعية تالية في العملية التي تكشّفت منذ سقوط البشير، وأدت إلى أشهر من المناورات الداخلية من قبل عناصر من القوات المسلحة، وقمع عنيف للمظاهرات، وبعد ذلك، وبأعجوبة، ولادة خطة لتقاسم السلطة وعملية انتقال في تموز (يوليو) 2019. وبموجب هذه الخطة، يحكم البلاد مؤقتاً “مجلس سيادة” عسكري-مدني مشترك، تكون فيه الإدارة المدنية برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي هو تكنوقراط محترم. ومن المفترض أن يستمر هذا الترتيب المؤقت إلى حين إجراء الانتخابات العامة في أواخر العام 2022.
وفي هذا السياق، قدّم أحد منظمي المظاهرة في دارفور سرداً متفائلاً عن أهمية المسيرة في تصريحات لـ”شبكة عاين”، والتي قال فيها: “لا مجال للتراجع. لقد ترك السودان طريق الاستبداد إلى الأبد وسيبني السودانيون دولتهم الجديدة بكل ما يملكونه من قوة”. لكن جذور عدم الرضا عن الوضع الراهن عميقة، وخطر التراجع كبير.
ولا يتمثل الموضوع بفشل حكومة حمدوك في إحراز تقدم. فمنذ وصوله إلى السلطة في أواخر آب (أغسطس) 2019، ربما يكون قد شكّل الحكومة الأكثر تنوعاً في تاريخ السودان. فقد ترأست النساء أربع وزارات رئيسية (الشؤون الخارجية، والتنمية الاجتماعية والعمل، والشباب والرياضة، والتعليم العالي)، كما أنّ وزير الإعلام هو صحفي سابق و”سجين رأي” في نظر “منظمة العفو الدولية”، وكان قد سُجن وتعرّض لمضايقات لسنوات. كما قوّض حمدوك الإرث القانوني الضار لنظام البشير، بسماحه بحرية الصحافة وإلغائه القوانين التي قيّدت حقوق المرأة والحقوق الدينية. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ عملية مؤلمة -وفي نظر النقاد، بطيئة للغاية- والتي تتمثل في اعتماد الشفافية والمساءلة في تصرفات النظام. وقد تم استرداد ما بين 3.5 و4 مليارات دولار من أصول البشير، وفقاً لـ”لجنة محاربة الفساد وتفكيك النظام”.
وفي الشؤون الخارجية، اتبعت الحكومة الكثير من السياسات التي يمكن أن ترضي الولايات المتحدة إلى حد كبير. فالتعاون في مكافحة الإرهاب مستمر ومثمر. وفي شباط (فبراير)، التقى الجنرال عبد الفتاح البرهان -رئيس مجلس السيادة ورئيس دولة السودان بحكم الأمر الواقع- برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
مع ذلك، وعلى الرغم من صدق الحكومة المدنية وجديتها، إلّا أنه لا يمكن للسودان أن يعكس ثلاثة عقود من الفساد المستفحل والخلل بين عشيّة وضحاها. وقد أحرز البلد تقدماً حقيقياً في الشهر الماضي خلال مؤتمر “أصدقاء السودان” في برلين، وحصل على 1.8 مليار دولار من المساعدات الجديدة وحسّن العلاقات المتوترة منذ فترة طويلة مع “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي”. غير أن هذه التطورات الأساسية المشجعة كانت مجرد خطوات أولية.
وفيما يتعلق باقتصاد السودان الضعيف أصلاً، فقد كان يتدهور بشكل مطرد حتى قبل أزمة “كوفيد- 19” والركود العالمي اللاحق. وقد بلغ معدل التضخم حوالي 100 في المائة، ووصلت البطالة إلى 25 في المائة، ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 8 في المائة هذا العام بعد انكماشه بنسبة 2.5 في المائة العام الماضي. كما تواجه البلاد متأخرات بمليارات الدولارات لمقرضين دوليين بسبب عدم الكفاءة والجشع اللذين أظهرهما القادة السابقون، وقد أُمِرت السودان بدفع مبلغ 826 مليون دولار كتعويض عن تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في العام 1998 -وهو هجوم مبكر لتنظيم القاعدة، والذي عمل نظام البشير على تسهيله. وما يزال اتفاق تسوية هذه المطالبات بمبلغ 300 مليون دولار عالقاً في مجلس الشيوخ الأميركي.
توصيات للسياسة الأميركية
كالعادة، نصح المقرضون الدوليون الحكومة السودانية باتخاذ تدابير مالية قد تزيد من تآكل شعبيتها وتجعلها هدفاً أسهل للشخصيات العسكرية والإسلامية التي تقف لها بالمرصاد. ولكن، في الوقت الذي يتزاحم فيه السودانيون اليائسون لكسب القوت والحصول على الأدوية والوقود، فسيكون ضرباً من الجنون أن نتوقع من إدارة حمدوك الهشة أن تعلن أن المواطنين الذين يعانون منذ فترة طويلة يجب أن يدفعوا المزيد ويحصلوا على الأقل، ويرسلوا الأموال إلى ضحايا الإرهاب الأميركيين، وينتظروا ببساطة قدوم أيام أفضل.
يبدو منطق السياسة الأميركية الحالية بشأن السودان واضحاً، ويتمثل في معالجة القضايا الثنائية العالقة بشكل منهجي مع التمسّك بأمل رؤية ضوء الإغاثة في نهاية الأفق. ويشمل ذلك التلويح بوعد إزالة السودان من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” في مرحلة ما قريبة من الانتخابات الأميركية في العام 2020 أو بعدها. وحتى ذلك الحين، فإن الفكرة هي الاستمرار في إصلاح القطاع الأمني بحذر شديد، وحماية الإدارة المدنية من الإطاحة بها، وإبقاء الجيش تحت السيطرة -خاصةً أمير الحرب الطموح في دارفور الجنرال محمد حمدان دغالو (المعروف باسم حميدتي). وبعبارة أخرى، حصل السودان حتى الآن على وعود من الولايات المتحدة تفوق المساعدة الفعلية.
وتتمثل المشكلة في هذه السياسة في افتراضها أن الوقت يعمل لصالح واشنطن. وإذا كان الاقتصاد العالمي مزدهراً وكان السودان يتخبط في أرقام اقتصادية متواضعة، فربما يكون هذا النهج ناجحاً. إلّا أن واشنطن تخاطر بتحقيق عكس النتائج المرجوة من خلال السماح للحكومة الحالية بفقدان مصداقيتها على أمل إبقاء حميدتي بعيداً، ومن خلال التلويح بأمل الإغاثة الاقتصادية المستقبلية التي لن تصل أبداً بشكل كامل (نظراً لواقع المساعدات المفرطة التي تقدمها الحكومات الأجنبية وعوامل أخرى). وبدلاً من قيام حكومة مدنية تتمتع بالسلطة والليبرالية والإنسانية وتملك سجلاً إيجابياً منذ العام 2019، يمكن أن تؤدي السياسة الأميركيّة الحاليّة إلى تشكيل حكومة فاشلة فاقدة لمصداقيتها تضمن وصول نظام حميدتي أو ما هو أسوأ بكثير -ربما قيادة تَلِف طغيانها مجدداً في عباءة الإسلام السياسي. وحتى لو كان مستقبل السودان، للأسف، جنرالاً جديداً على ظهر جواد، فيمكن تقييد مثل هذا القائد إذا تولى السلطة من حكومة انتقالية ناجحة إلى حد معقول بدلاً من قدوم كارثة أخرى.
لذلك، على واشنطن أن تتحرك بسرعة وليس ببطء فيما يتعلق بالسودان. وبقدر الإمكان، يجب أن تكون الإغاثة في مقدّمة الخطوات المتخذة من أجل إعطاء المواطنين السودانيين أملاً ملموساً. وبالإضافة إلى ذلك، على حلفاء الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إجراء حوار مباشر حول الكيفية التي يمكن أن يكونوا بها أكثر صراحة في مساعدتهم الخاصة لحكومة حمدوك. وعلى واشنطن أن تُحذِّر كلا من هاتين الدولتين وخصميهما في قطر وتركيا من أن السودان أصبح الآن يشكل أولوية أميركية، وليس لعبة أخرى بين أيديهم في صراعهم الإقليمي الطاحن. وسيكون إعطاء الأولوية للمبادرات التي ترضي الناس وتوفر الإغاثة على المدى القصير والمتوسط هو الطريق المناسب للمضي قدماً، وليس المشاريع الفخمة طويلة الأجل التي قد لا تتحقق أبداً.
من السهل شطب السودان من قائمة الدول التي يمكن إصلاحها، وهي الوريث لإرث تاريخئ قاتم، والواقعة في براثن توترات سد النيل بين الجارتين مصر وإثيوبيا. ولكن، نظراً لليأس العميق والطريق المسدود الذي وصلت إليه معظم بلدان العالم العربي، من المهم أن تفعل واشنطن كل ما في وسعها اليوم -وليس لاحقاً- لضمان بروز السودان كبلد متسامح يقوده مدنيون، وليس كدولة فاشلة أخرى. ولن يكون ذلك أفضل بالنسبة للولايات المتحدة فحسب، بل لمنطقة متعطشة لقصص النجاح النسبي في خضم الظلام السائد فيها أيضاً.

*نائب “رئيس معهد الشرق الأوسط لبحوث الإعلام” (“ميمري”). شغل سابقاً منصب القائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم في الفترة من 2007 إلى 2009، ومسؤول مكتب السودان في “وكالة الإعلام الأميركية” من 1990 إلى 1992.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock