أفكار ومواقف

السوريون والتعليم: الحماية قبل فوات الأوان!

ما تزال الأرقام الضخمة الصادرة عن الهيئات الدولية حول أعداد الأطفال اللاجئين السوريين غير الملتحقين بالمدارس، تمر كأي خبر عابر، رغم خطورة هذه الظاهرة التي تجاوزت حدود كونها أمرا محزنا أو مقلقا، وبات من اللازم النظر إليها على أنها تهديد مستقبلي حقيقي.
مؤخراً، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن نحو 84 ألف طفل سوري لاجئ في الأردن غير ملتحق بالمدارس، بينما تظهر البيانات الواردة في الإعلان ذاته أن مجموع أعداد الطلبة الملتحقين بالدراسة في مراكز تواجد اللاجئين السوريين الرئيسية (محافظة المفرق، مخيمي الزعتري والأزرق) يبلغ حوالي 44 ألفاً.
من الطبيعي أن هناك أسباباً كثيرة تقف وراء وجود هذا العدد الضخم، بكل المقاييس، من الأطفال غير الملتحقين بالدراسة سواء بالنظر إليه كرقم مطلق، أو مقارنة بعدد الملتحقين بالمدارس، أو كنسبة من العدد الإجمالي للأطفال السوريين اللاجئين في عمر الدراسة.
من هذه الأسباب؛ ظروف اللجوء وما يرافقها وينجم عنها من فقدان الإنسان الشعور بالاستقرار والانتماء للمكان، والتعامل مع الحياة بـ”مؤقتية” تفقده الدافع للعمل من أجل المستقبل، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والحياتية القاسية.
لكن هذه الظروف جميعها لم تعد أمراً طارئاً، وبالتالي فإن هناك مسؤولية كبيرة يتحملها أولياء أمور هؤلاء الأطفال المحرومين من التعليم، وهناك مسؤولية أكبر تتحملها الدولة الأردنية كدولة مضيفة ينبغي أن تحمي حق هؤلاء الأطفال في التعليم، لتجنبهم هذا الحرمان، ولتجنب الأردن أيضاً العديد من المخاطر الناجمة عن ذلك.
هناك تقصير كبير من الدولة في تطبيق القوانين الناظمة لهذا الأمر، وفي الالتزام بالاتفاقيات الدولية التي وقع عليها الأردن والمتعلقة بحقوق الطفل بالحصول على التعليم، وأحد أهم هذه القوانين والذي ينبغي أن يكون أداة ناجعة في يد الدولة لضبط هذه الظاهرة ومكافحتها هو قانون إلزامية التعليم.
في مقال سابق كنت تحدثت بشيء من التفصيل عن الإشكاليات الواردة في نصوص القانون، خصوصاً في عدم تحديد العقوبة المرتبطة بالمخالفة، وعن التراخي في تطبيقه حتى على المواطنين الأردنيين. لكن الأرقام المتعلقة باللاجئين السوريين تبين أن التراخي يكاد يصل إلى “إغماض العين” بشكل كامل، على الرغم من انطباق القانون عليهم كونه يسري على كل من يقيم داخل أراضي المملكة.
الجدية في مكافحة ظاهرة تسرب الأطفال السوريين من المدارس وحمايتهم من الحرمان من التعليم ينبغي أن تنطلق، ابتداء، من الواجب الإنساني تجاه هذه الفئة، وتاليا من التفكير الواعي بمخاطر التغاضي عن هذه الظاهرة والسماح بتفاقمها على الأردن مستقبلاً.
اللاجئون السوريون الآن باتوا مكوناً كبيرا من مكونات المجتمع الأردني، ويرجح خبراء مكوث معظمهم في الأردن لسنوات قد تمتد طويلا، علاوة عن استمرار مكوث بعضهم إلى الأبد، وبالتالي فإن عدم الاكتراث بمعالجة هذه الظاهرة في الوقت الحالي سيراكم الخلل، إلى أن ينتج عنه وجود أعداد كبيرة من الأميين بيننا.
وفي عصر التعلم الذاتي الذي نعيشه الآن وسط الثورات التكنولوجية الهائلة، فإن مغبة الأمية باتت أكثر حدة وخطورة من أي وقت مضى، فالأميّ اليوم لن يكون قادرا على تعليم نفسه ذاتيا وهو فاقد لأدنى المهارات اللازمة للاحتكاك بالحياة وبالعمل، وبالتالي فهو، مستقبلا، شخص غير منتج وغير قادر على إعالة نفسه ومن حوله، ورقما يضاف إلى أعداد الأشخاص المصنفين عالة على الدولة والمجتمع. إضافة إلى المخاطر الكبيرة التي تنتظر عائلة سوف يكونها هذا النوع من الأشخاص، إذ في الغالب سيكون أفرادها أقل وعيا بأهمية التعليم، وبالتالي بالانحياز له.
وسط التراجع الكبير والمستمر في حجم تمويل خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية من المانحين، والتي لم تتجاوز 8.15 % في العام 2019، فإن هؤلاء المحرومين من التعليم اليوم سيكونون غدا عبئا يضاف إلى الأعباء الكبيرة الملقاة على كاهل الأردن، ما لم يتم التعامل بوعي وجدية لتدارك هذه الكارثة والوقاية منها، قبل أن تتضخم بشكل يفقدنا أي فرصة لعلاجها أو الحد منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock