آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

السوشال ميديا ودعوتها المبطنة للفرار من الجسد

سارة زايد

عمان – تُصرُّ وسائل الإعلام والسوشال ميديا على تغليف الجمال بمعاييرٍ من شأنها أن تُحطِّم تصوّرنا تجاه أجسادنا وتُشعل فتيل التقدير السلبي لذاتنا؛ فصورة الجسد في كافة المجتمعات لا تقل شأنًا عن صورة الفكر والدراية، لكنها غالبًا صورة مشوهة ومنمقة، يُخدع بها الناس ويُساقوا لحتمية خلق تصور واحد فقط تجاه الجسد المثالي؛ ففي القرن الواحد والعشرين، وفي فضاء إلكتروني يعجُّ يوميًا بصور النساء التي ترمز للكمال الذي يجب السعي إليه، إذا كنتِ تريدين أن يُشار إليكِ بالفاتنة، فما عليك إلّا أن تكوني طويلة ونحيلة للغاية، وما عدا ذلك، فإن أي جسم آخر بمعاييره الخاصة ماهو إلّا جثة، ليس من حقه أن يُقدَّر أو حتى يُرى.

مقارنة الجسد بواقع مُحسّن

في مجتمعٍ يُقاتل يوميًا وباستمرار لطمس تقبُّل الاختلافات الجسدية، وفي مجتمعٍ يضع الشابات في منافسة قسرية مع كل ما يُرى على السوشال ميديا من صور معدلة وأجسام محسنة غير قابلة للتحقيق، فإن قبول نفسِك كما أنتِ جسديًا، هي معركة شرسة من شأنها أن تسبب الكثير من الجِراح.

“لما تكون شخص بدين الناس دائمًا بنظرولك نظرة غريبة، بحس حالي واقفة على المسرح والضو مسلّط علي، مابشوف ناس قدامي، بس بسمع صوت حواليّ وبحس كل التعليقات علي.”


تخبرني مرح عن صعوبة كشف ماتعيشه، مؤكدةً لي بأنها قطعت شوطًا كبيرًا من رحلة تقبل الذات، لكن المرحلة الأخيرة دائمًا ما تكون الأصعب، ودائمًا مايتعذّر اجتيازها، وعلى الرغم من إيمان مرح المطلق بأن كافة الأجساد لم تُخلق إلّا لكي تكون مميزة وجميلة بتفرُّدها، إلّا أنها ومهما حاولت استيعاب اختلاف أنماط الجمال فيما مضى، فإن السوشال ميديا دائمًا ماتكون “متل الكف على غفلة.” على حد تعبيرها.

البوليميا.. خسران للجسد والروح

“نفسي أطلع من جسمي وأغيب عنه للأبد، أنا ناصحة شوي وبحس حالي بشعة شكليًا، والمجتمع والسوشال ميديا أرغموني أضل أقارن نفسي مع غيري من يلي بعتبروهم خارقات الجمال، جرّبت أمنع نفسي عن الأكل، جربت أستفرغ الأكل، جرّبت أقص معدتي أو حتى أعدل من شكلي، بس الخوف جمّد حركتي عن هالخطوة، ماضل وسيلة، غير إني أربط إيديّ وما أقرب الأكل، أو أخبي وجهي للأبد.. مافي حل تاني، حرفيًا انتهيت.”


تحكي لي نور عن التقدير المتدني لذاتها جراء الصور النمطية للجمال، التي تحيط بها من كل زاوية، فهي ترى كما لو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تحالفت ضدها، كما لو أنها تُعطي للغرباء كامل الأحقية للحكم الضمني عليها دون أدنى رحمة.

“حياتي فارغة، دون هدف واضح، كل يلي بعمله هو إني بضل عالإنستغرام، بمنع نفسي أقارن، بمنع نفسي أتأثر بالكمال المبالغ فيه، بس بحس إني مُحَرَّكة من قبل قوة من اللاوعي، مسيطرة على أفكاري”.


لذا فبالنسبة لنور، فقد كان من المحتَّم أن يقترن استخدامها للسوشال ميديا ولساعات طويلة وبتلك الشراهة، بزيادة عدم رضاها الذاتي عن جسدها.

وبحسب موقع Québec.ca، الموقع الرسمي لحكومة الكيبك، فالأشخاص الذين يعانون من عدم الأمان بشأن مظهرهم، معرضون بشكل جلي لمخاطر كبرى للإصابة باضطرابات الأكل؛ فقد شهدت الدراسات الإعلامية زيادة ملحوظة في اضطرابات الأكل، خاصةً بين الشابات، وقد كانت الأسباب الرئيسية التي أبلغت عنها النساء هو عدم رضاهن عن صورة أجسادهن، وعند سؤالهن عن سبب عدم الرضا، أشارت معظم النساء إلى حقيقة أنهن يقارنَّ أجسادهن بانتظام بجسم العارضات والشخصيات الإعلامية والممثلات.

المركز الأمريكي النفسي والعصبي أشار إلى أن نحو ٨٠٪ من المصابين بالنهام العصبي هم من الإناث، والنهام العصبي أو البوليميا هو اضطراب خطير في الأكل من الممكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الإنسان؛ إذ يُعرف بتناول كمية كبيرة من الطعام بشكل متكرر واتْباعه بسلوكيات للحد من زيادة الوزن، مثل إجبار النفس على التقيؤ.

السمنة تُعادل الكسل وخمول الإرادة

“أنا بعتبر نفسي شبه متشايفة من هوس الكمال الشكلي والجسدي، الكمال هاد ما بطمح إله، ولأنه عندي وعي بسمحلي أميّز مابين الخطأ والصواب بالصور يلي عم تنعرض قدام عيونا طول اليوم، فما بهمني أكون متل يلي بالصور هاي يلي تم تعديلها مليون مرة عالفوتوشوب.
أنا كل ماوعيت كل ما كان شكل تصفُّحي للسوشال ميديا أنضج، الشي الوحيد يلي هادني ومتعبني إني مش عم بلقى وظيفة، وهاد كله ليه؟ عشان وزني، وشكلي “العادي”.”

لم يكن للسوشال ميديا في حياة هديل يد في انعدام ارتياحها مع جسدها، ولم تسمح للإحباط وخيبة الأمل أن يتملّكاها ولو للحظة، ولم يكن هناك أي مخاوف من خطر زوال أمانها النفسي، فبالنسبة لها، كل مايتم تداوله من صور مُجمَّلة ماهي إلّا “صور لأصنام متشابهة على السوشال ميديا.”
لكن على الرغم من هذا الرضا النفسي، تستمر معاناتها العملية؛ لعدم إيجادها أية وظيفة تطمح لها بالرغم من كل ماتمتلك من مؤهلات.
وحسب موقع Wuro – برنامج إدارة الأعمال والشركات عبر الإنترنت- فإن النساء البدينات يتعرضن للتمييز ثماني مرات أكثر من النساء ذوات مؤشر كتلة الجسم الطبيعي. كذلك فإن النساء يعانين ضعف التمييز في التوظيف بسبب مظهرهن الجسدي مقارنةً بالرجال.

“هون بهالمجتمع احترام الذات نابع من الخارج بس، المظهر الجسدي هو الخيار الوحيد ليخلي الناس تحترمك أو لأ، أو حتى تاخدك على محمل الجد، اجتزت كافة مراحل قبولي كموظفة في عدة شركات، لكن دائمًا في تفضيلات، التفضيلات لذوات الوجوه والأجسام المثالية بالنسبة لإلهم، لأنه بالنسبة لأصحاب العمل يلي قابلتهم، السمنة هي مرادف للكسل وقلة الإرادة ونقص الطاقة، بس بسيطة، يصطفلوا..” تعلق هديل ضاحكة، مشيرةً إلى الفشل الصريح لمجتمعها وأرباب العمل ببناء صورة مهتزة تجاه جسدها وذاتها.

الأخصائي النفسي باسل الحمد أشار إلى أن “جزء بسيطا من تقديرنا ورؤيتنا لأنفسنا ينبع من ذاتنا الجسمية، لكن الجزء الأكبر نستمده من خلال نظرة الآخرين، لذا فالسوشال ميديا أتاحت لنا أن نحسن من صورنا ونعدل بها بحيث تبدو أجسامنا وأشكالنا مشابهة للصور المثالية التي نطمح إلى تحقيقها، مما خلق فجوة كبيرة مابين شكلنا الواقعي وشكلنا المراد والمتخيل المثالي، وهي فجوة تخلق لنا صور غير واقعية عن أنفسنا قد تؤثر على علاقاتنا الافتراضية والتي من الممكن فيما بعد أن تُدخلنا في دائرة لوم الذات والتقريع”.

الحمد أكد عدم إيمانه بما يُطلَق عليه العلاج النفسي الذاتي لكل من غرق في محيط المقارنات مع الصور المعدّلة، إذ يرى بأنه ومهما بلغ الفرد علوًا وشأنًا من العلم والتبحر في علم النفس، فالعلاج النفسي الذاتي ماهو إلا صناعة للوهم الذاتي.


ويتابع “لذا، فعندما يحدث هذا التشوه النفسي تجاه أجسادنا، نكون بأمس الحاجة لإعادة تقييم حياتنا من جديد من خلال معرفة رؤيتنا بالحياة، والقيمة التي تحركها، وموقع قيمة الجمال وسط قيمنا المتعددة، كذلك علينا فهم دورنا في الحياة، ووضع تصور واقعي للقدرة على أن نكون نحن كما نحن، بتخفيف اعتماد السوشال ميديا كمرجعية للمعايير الجمالية، وتقليل استخدامها، وإدراكنا التام بأن أدواتها قد تم تصميمها بطريقة تشبه إلى حد ما طريقة تصميم آلات القمار، حتى نُغرِق في النظر إلى صورة أنفسنا”.

المحامي عبد الرحمن الشراري يؤكد أن الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية والقيم الأخلاقية قد حرصت التشريعات على صيانتها ودرء كل عدوان “آثم يتربص بها”. ومن ثمة فإن تناول عناصر الجمال اللصيقة بطبيعة خلق الإنسان وتكوينه وبنية جسده ولونه ووضع المعايير الصارمة في شكل حقائق تنبئ في محتواها وترمي في معانيها إلى أن توافرها في شخص بعينه يجعله يتسم بالجمال، في حين أن من لا تتوافر به تلك العناصر يعد قبيحًا، إنما يعد صورة من صور الإعتداء على الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية التي عرفها القضاء الأردني بأنها:

  • الحرية الشخصية: قدرة الانسان على التصرف في تفاصيل معيشته وفق إرادته دون التدخل فيها من قبل الغير”، واستطرد قائلاً “وهذا لا يتمتع به سوى الافراد، ولا تتمتع الشخصيات الاعتبارية بحرية شخصية وفق هذا المفهوم”. مما يؤكد على أن الحرية الشخصية حق لصيق بالشخص الطبيعي وملازمٌ له.
  • الكرامة الانسانية: اتصاف الإنسان بما يليق به من الفضائل التي تجعله أهلاً للاحترام في عين نفسه وعين غيره”. وأيضاً “يطلق اصطلاح الكرامة الإنسانية على قيمة الإنسان في المجتمع”. مما يعني أيضاً أن الكرامة حق لصيق كذلك وملازم لصفة الشخص الطبيعي.

واستتبع قائلاً “والحفاظ على الكرامة الانسانية من حقوق الانسان المتفق عليها دولياً، ولا يحق لأحد استباحة كرامة الافراد أو اهانته أو الحاق الأذى به أو إحراجه. فاحترام خصوصية الفرد وقيمته الذاتية وعدم إلحاق الضرر بسمعته هو واجب على ممارسي مهنة الصحافة”.


وبما أن إلحاق الأذى يقع في صورتين، مادية ومعنوية، فإن الأذى النفسي (المعنوي) يعد نتيجة طبيعية تلحق بالشخص الطبيعي الذي تم تصنيفه ضم الفئة أو الفئات التي لا تتمتع بعناصر الجمال التي تطلقها بعض المنابر في صورة حقائق وضمن عبارات تصل في معانيها إلى أن تلك العناصر مسلمات وحقائق أو ناشئة عن أبحاث علمية فلا يجد من يقرأها سبيلاً لدحضها أو إثبات عكسها، مما يدفعه إلى تصديقها والوقوع في براثن مؤثراتها فتؤذي مشاعر الأفراد وتؤدي إلى إحباطها أو النيل منها.

وفضلاً عن كل ذلك فإن الحرص على حماية القيم الأخلاقية في كافة المجتمعات يعني من بين ما يعنيه أن الحديث بشكل سلبي عن لون الإنسان وشكله وبنيته الجسدية والهيئة التي خلق بها إنما يعد ممارسات غير أخلاقية، بل إن التمييز بسبب اللون يعد أحد صور النعرات العنصرية التي حرصت التشريعات على مسائلة من ينادي بها.

وقد تضمن قانون المطبوعات والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع نصوصًا اعتبرت المساس بالكرامة الإنسانية والحرية الشخصية فعلاً مؤثمًا ومعاقبًا عليه وحرص ميثاق الشرف الصحفي على عدم المساس بكرامة الإنسان وحريته الشخصية وأكد كذلك على حماية القيم الأخلاقية وعدم التعرض لها أو النيل منها أثناء مزاولة الصحافة لأعمالها المهنية.

كذلك وحرصت المعاهدات والمواثيق الدولية على أن تكون الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية من بين الحقوق التي يتوجب على الدول حمايتها ووضع التشريعات التي تكفل صيانتها والذود عنها.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock