أفكار ومواقف

السياحة: لنكف عن الادعاء!

على مدار سنوات طويلة بقينا ننظّر للسياحة بوصفها الدواء الشافي لتحدياتنا الاقتصادية المتعددة، بينما لم نحرك ساكنا لنجعلها حقا واحدة من الروافد الاقتصادية.
ابتداء، لا بد من الاعتراف أن هناك زيادة طرأت على الدخل السياحي خلال العامين الماضيين، فقد سجل العام الماضي دخلا في حدود 5 مليارات دولار، مرتفعا بحوالي نصف مليار عن العام الذي سبقه. لكن لنسأل أنفسنا: هل هذا هو الدخل المرتجى في الأردن الذي يوصف بأنه متحف مفتوح، والذي يشتمل على أكثر من 70 ألف موقع أثري مسجل؟
بالتأكيد الرقم متواضع جدا، والنبرة المتفائلة للحكومة تجاه تحسن مؤشرات الوضع السياحي لا يوجد ما يسنده على أرض الواقع، فالمواقع الأثرية والسياحية تعيش واقعا مزريا لا يمكن لأحد ألا يلاحظه!
في عدد أمس، نشرت الغد تقريرا يتحدث عن 120 موقعا سياحيا تعاني الإهمال وتردي أحوالها وسوء الطرق المؤدية إليها. هذه المواقع فقط في منطقة جغرافية محدودة جدا هي لواء الكورة في محافظة إربد، فكيف سيكون الحال لو نحن أجرينا مسوحات لجميع المناطق الأثرية والسياحية الأردنية.. أي نتيجة سنحصل عليها؟
سيكون الوضع مخجلا بلا شك، فحتى المواقع غير المهملة سنجد أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الزيارة، وسنجد أنها لا تشتمل على الخدمات الأساسية مثل دورات المياه أو المطاعم والمقاهي!
مدينة إربد، مثلا، والتي تشتمل على آلاف المواقع الأثرية والسياحية، تعاني المواقع فيها مما هو أكثر من الإهمال واللاأبالية، فكثير منها يفتقر إلى طرق آمنة للوصول إليها، وإن دخل الزائر مغامرة أو تحديا مع الذات وسلك الطرقات العجيبة إليها، فسيصاب بخيبة الأمل حين يكتشف أنه أتعب نفسه ليزور مجرد أطلال مهجورة خالية من أي خدمات!
حتى اليوم، لم تستطع الحكومة، ممثلة بوزارة السياحة، أن تجر وعي المستثمرين لكي يعملوا في مواقع جديدة بعيدا عن العقبة والبحر الميت والبترا والعاصمة عمان. حتى المسارات السياحية التي أقرتها، ينظر إليها كثيرون على أن فيها بعض الارتجال، وأنها أغفلت كثيرا من المواقع الضرورية، أو الطرق الموسمية.
في مدن إربد وعجلون وجرش والطفيلة ومعان إمكانات سياحية هائلة، نستطيع عن طريق تسويقها بشكل صحيح أن نؤسس لسياحة دائمة تستثمر في البنية التحتية، وتخلق آلاف فرص العمل للمجتمعات المحلية. وبدلا من أن تظل تلك المجتمعات شاعرة بالتهميش والإهمال، وبدلا من مسيرات المتعطلين الزاحفة باتجاه العاصمة، يمكن أن نسهم بتوطين تلك العمالة في بيئاتها، بحيث نوقف الهجرة إلى عمان واستنزاف المحافظات من طاقاتها الشبابية.
الملف السياحي يحتاج إلى شخص حالم، لا يحد تفكيره الوضع الاقتصادي ولا التذرع بمحدودية الإمكانيات وقصر يد الموازنة. فأسوأ ما ابتلينا به هم رجال الدولة والوزراء والمسؤولون غير الأكفاء، والذين لم يستطيعوا أن ينجزوا شيئا بسبب ترددهم وقلة خبرتهم، أو بسبب عدم اكتراثهم.
السياحة تحتاج أشخاصا ديناميكيين، أو أن نكف عن القول إننا بلد سياحي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock