أفكار ومواقف

السيادة القومية في زمن القرية الكونية

 


تبدو السيادة كمفهوم كلي للدولة القومية التقليدية، التي تواصل حثيثاً إخلاء مكانها لصالح الدولة المتكيفة مع استحقاقات عصر العولمة، وزمن القرية الكونية، وثورة الاتصالات الإلكترونية المتعاظمة، دولة تنتمي إلى ظاهرة تاريخية أفلت نجومها أو تكاد، سواء أكان ذلك في البعد السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي لتلك الدول، التي رسخت صورتها الكلاسيكية عن نفسها في الأذهان منذ نحو قرنين، كوحدات كيانية مقدسة، تستجيب للتطلعات القومية والوطنية، وتعبر عن مشاعر العزة والكرامة، وتجسد مظاهر الانتماء إلى عرق بعينه في رقعة جغرافية محددة.


     ولا يؤدي هجاء العولمة والتنديد بها وتصويرها على أنها مجرد مؤامرة إمبريالية، سوى إلى استهلاك مزيد من الجهد والوقت في محاولة يائسة لإرجاع عقارب ساعة التطور الاجتماعي والسياسي والإنساني إلى الوراء. فالعولمة التي هزمت الأيدولوجيا القانونية للدولة القومية، باتت حقيقة قائمة وملموسة ليس فقط عبر الشركات والأسواق العابرة للحدود، أو من خلال منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها الفرعية فحسب، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، وإنما فوق ذلك من خلال منظمات حقوق الإنسان وجمعيات البيئة وشبكات التلفزيون، التي باتت جميعها بمثابة سلطة عالمية تخشاها الدولة التقليدية وتتجنب الإصطدام بها.


     ومع أن العولمة يمكن أن تكون مظهراً من مظاهر الوحشية الرأسمالية ودليلاً على شراهة الدول الغنية، إلا أن ذلك لا يشكل سوى خيط رفيع من نسيج لوحة واسعة تتراصف فيها الخيوط والألوان لمرحلة جديدة من حياة تطور مفهوم الدولة، التي لم تعد قادرة اليوم مثلاً على السيطرة على حدودها أمام حركة الرساميل وبث القنوات الفضائية والتجارة الالكترونية والإنترنت والهواتف المحمولة، ولم يعد في استطاعتها أيضاً الاستبداد بمواطنيها أمام رقابة جمعيات حقوق الإنسان وتقاريرها الدورية، ناهيك عن تفعيل إرادتها الذاتية من دون قيود دولية واعتبارات عالمية لا سبيل إلى انتهاكها.


      ويكفي أن ننظر إلى مسألة حقوق الملكية الفكرية التي تواصل تحقيق نفسها شيئاً فشيئاً، حتى لدى أكثر الدول تمسكاً بمفهوم السيادة القومية، كي نجد أن العولمة هي في سيرورة مستمرة، وإنها تتقدم كموجة تاريخية كاسحة، سيما في بعدها الاقتصادي الذي بلغت تطبيقاته قلب دول العالم الثالث، وجعلت أشد الدول انغلاقاً على ذاتها القومية، لا تستطيع الاعتراض على حقيقة أن يد قانون حماية الملكية الفكرية مثلاً تعلو أيدي القوانين الداخلية المصادق عليها دستورياً من جانب الهيئات الاشتراعية المنتخبة ديمقراطياً أو الملفقة تلفيقاً.


 وعليه، فإن من بين أوائل ضحايا العولمة، تتجلى الآن صورة الدولة القومية بطابعها الاستبدادي المغلق، ومظهرها الأيدلوجي اليابس، كضحية مأسوف عليها فقط من جانب الأنظمة الشمولية المتآكلة، والقوى الاجتماعية السياسية المشغولة بنظرية المؤامرة ومعاداة الديمقراطية والتعددية والانفتاح والخصخصة، وغيرها من المظاهر المجسدة للعولمة بتعبيراتها السائدة، منذ أن تمكنت الصورة التلفزيونية من إلحاق هزيمة شائنة بالولايات المتحدة في كل من الحرب الفيتنامية وغزو العراق، ومنذ أن وضعت ثورة الاتصالات الإلكترونية بين أيدي الرأي العام مدافع أكثر فعالية من أشد الأسلحة التقليدية فتكاً.


     نقول قولنا هذا ونحن نشهد زوابع كلامية تدور في فناجين حزبية ونقابية صغيرة، ومنابر إخبارية ومنتديات إلكترونية، تندد بالعولمة وترى في تجلياتها المتدافعة على ساحة التشريع والاقتصاد والثقافة والاتفاقات الثنائية والدولية، مجرد هجمة خارجية مشبوهة، الهدف منها بيع الوطن وإضعاف الدولة ونقل الثروة الوطنية للقطاع الخاص، وغير ذلك من تحسبات وأوهام دفعت ببعض هؤلاء المستريبين، حد معارضة تحديث القوانين والإصلاح الاقتصادي والإداري، بل حتى المساواة في الحقوق بين المواطنين، تحت ذريعة فزاعة التوطين والكونفدرالية والتطبيع، وغير ذلك من الشعارات التي تنبع من مفاهيم قديمة عن السيادة الكلية للدولة القومية الغاربة.


Issa.alshuibi@alghad.jo    

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. القوميه استحقاق قديم لنسخه قديمه من العولمه
    من مقتضيات الراحه الرغائبيه والمنطقيه القول ان العولمه بنسختها الحاليه هي ارقى ما توصل اليه الانسان الباحث او المؤهل للبحث في الاسلوب الانسب والامثل لحياته مستخدما دماغه مختبرا للافكار والارض ميدانا لتطبيقها .
    في زمن ما كانت القوميه هي استحقاق العولمه التي يجب على المغارات السياسيه المحكومه من الدوق والاسقف والامير والاقطاعي اتباعها لتكون موجوده في مسيرة الانسان المتقدم الذي اوجد الوحده الفرنسيه والرايخ الالماني والوحده الايطاليه كمشاريع قوميه ناجحه في فتره زمنيه متقاربه .
    في الماضي القريب كانت العولمه تعني متابعة الصراع السوفييتي الامريكي واختيار واحد من المعسكرين لمن اراد ان يكون موجودا في العالم المتقدم , ومن فضل المغارات انضم لدول عدم الانحياز متحججا بانحيازه لدولته القوميه فقط.
    العولمه بنسختها الحاليه تفتح الباب واسعا دون شروط تعجيزيه امام من اراد ان يعيش في العالم المتقدم , ومن يرفض استحقاقات العولمه التشريعيه الاقتصاديه والسياسيه فستضيق عليه الارض التي تقلصت مساحتها اصلا بفعل ثورة الاتصالات التي تكشف ما يحدث في المغارات مهما كانت نائيه وبعيده .
    ثورة الاتصالات هذه تعمل كجهاز الكشف عن المعادن الصلبه فتصدر صوتا فاضحا لمن يخبئ السلاح , لكن الصوت الفاضح هذا سيفضح العولمه ذاتها التي جعلت من استحقاقاتها السياسيه تمرير المشروع الاسرائيلي على فلسطين والمنطقه وستجد نفسها محرجه امام دعواتها بالمحافظه على حق الانسان في الحريه كاحد استحقاقاتها التشريعيه الانسانيه.

    * الوقوف في وجه السياسات العالميه التي تمس حقوقنا في الحريه لا يعني اننا فضلنا المغارات على العولمه التي لا ننكر ما فيها من فوائد هائله .

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock