أفكار ومواقف

السيادة على الجولان

لا يمكن فهم قرار الرئيس دونالد ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان خارج إطار الانتخابات الإسرائيلية. القرار تدخل واضح من الرئيس الأميركي لتقوية حظوظ بنيامين نتنياهو في الفوز بالانتخابات القادمة عبر إعطائه تنازلا جديدا وإظهار نجاحه الإقليمي سياسيا واستراتيجيا.
لن يغير القرار الواقع الميداني لمرتفعات الجولان لأنها محتلة منذ العام 1967، وباستثناء لحظات زمنية معدودة في حرب العام 1973 بقيت الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. الجديد والخطير بالقرار أنه ينسف مبدأ الأرض مقابل السلام الذي مثّل الأساس الذي قامت عليه العملية السلمية برمتها. منطوق القرار سياسيا يقول إن الجولان لم تعد محتلة و”لن” تعود لتكون جزءا من سورية لأن السيادة فيها أصبحت لإسرائيل. الجولان بموجب القرار ليست أرضا محتلة، كما يقول القانون الدولي، وإنما ونظرا لأهميتها الاستراتيجية يقرر السيد ترامب أنها جزء من إسرائيل.
القرار الأميركي يضرب بعرض الحائط القانون الدولي وأسس الشرعية الدولية التي تقوم عليها منظومة العمل الدولي بما فيها الأمم المتحدة. العجيب أن الذي يهدم المنظومة الدولية هي الدولة التي قادت إنشاءها في أعقاب الحرب العالمية الثانية والمعني الأكبر باستدامتها. هذه وصفة خطيرة تضعف منظومة العمل الدولي وتذهب بالعالم والعلاقات الدولية لزمن توازن القوى الذي انتج حروبا عالمية وإقليمية عدة. حروب أميركا المباشرة مع العراق كانت تبرر أمام العالم والرأي العام الأميركي أنها بسبب تجاوزات على منظومة العمل الدولي سواء عند احتلال العراق للكويت أو خرق العراق لالتزاماته بعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل. وبصرف النظر عن صحة هذه التبريرات من عدمها فقد بقيت مستخدمة، في حين يأتي السيد ترامب الآن ويعلن عبر قراراته أن الولايات المتحدة لا تحترم الشرعية الدولية، ويقرر أن لا حاجة لهذه المنظومة بعد الآن، مستندا لتوازن القوى المنحاز لأميركا وإسرائيل. الرئيس الأميركي يظن أنه بهذا القرار يحمي إسرائيل ويعزز من أمنها، ولكنه في الواقع يفعل العكس تماما فهو يقول لكل من يؤمن بمنظومة العمل الدولي عليكم بالقوة والحرب والعنف فلا سبيل لكم غير ذلك.
اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على أراضي الجولان ليس نهاية الأمر، وإنما دخول النزاع حولها مرحلة جديدة أشد تعقيدا وصعوبة. بإسناد عربي، سورية معنية بمراجعة نهج التعامل مع ملف الجولان والنظر لتجارب مصر وفلسطين والأردن التي حققت مكتسبات مهمة من إسرائيل. الممانعة إذا لم تكن مدعومة بتوازن استراتيجي حقيقي، لا تبدو سورية بصدد تحقيقه، تصبح ضربا من التفريط بالمصالح. لن يعيب سورية الدخول بتسوية سياسية تعيد لها الأرض والحقوق كما فعلت الدول الأخرى، وهذا لن يمنع سورية من استمرار نهج المواجهة السياسية والدبلوماسية تماما كما فعلت وتفعل الدول العربية الأخرى. دخول سورية لميدان العمل الدبلوماسي السياسي والاقتصادي لمواجهة إسرائيل سيكون مهما لقضاياها الوطنية ولقضايا المنطقة وداعما للفلسطينيين في نضالهم لإحقاق الدولة واسترجاع الحقوق. سورية كانت قد بدأت ذلك بالفعل وقت الرئيس الراحل حافظ الأسد، وكانت هناك اتصالات في مرحلة ما بعده. البناء على هذه الاتصالات سيكون سبيلا مهما لوقف التفرد الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه قضاياها العالقة مع سورية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock