أفكار ومواقف

السياسات الاجتماعية والليبرالية المنظمة

 يذهب هذا الأسبوع نحو 1،6 مليون طالب وطالبة الى مدارسهم مع بدء العام الدراسي الجديد، وهم بذلك يشكلون قاعدة الهرم السكاني، حيث يقارب هذا العدد ما نسبته  30% من المجتمع الأردني، وإذا ما أضيف اليه خمس هذا الرقم في مؤسسات التعليم العالي ونصف الرقم الأول يعاني من البطالة، فإننا سنجد فجوة عميقة بين القوى المنتجة والمُعالة، وبينما تحصي وزارة التربية والتعليم نحو خمس الآف مدرسة عامة وخاصة سوف تستقبل الطلبة هذا العام، أعلن الأسبوع الماضي عن قائمة تشمل مئات المدارس التي صنفت تحت صفة “المدارس الأقل حظا” بمعنى الأقل رعاية وهي عادة المدارس التي لم تتوفر لها شروط البيئة التعليمية الملائمة في البنى التحتية، وتوفر الكوادر والهيئات التدريسية, في نفس الوقت يُتوقع وجود نحو 30 ألف طالب سوف يغادرون مدارس القطاع الخاص نحو المدارس الحكومية.


 وبينما تذهب استراتيجية القطاع الصحي الأردني الى دفع هذا القطاع نحو التمويل الذاتي وتبحث عن آليات لمعالجة  قصـور السياسـة الماليــة طمعا في سياسات مالية تسهم في استرداد الكلفة، يعاني القطاع الصحي الذي حقق سمعة اقليمية مرموقة من نقص حاد بالكوادر البشرية والمعدات والبنى التحتية في المحافظات والضغط الهائل في المراكز، حيث يوجد سرير واحد في المستشفيات لكل 12 ألف مواطن ومركز صحي لعدد مقارب من المواطنين، في حين تتجه السياسات الاجتماعية ذات الصلة بالبنى التحتية نحو تعميق هوة الحراك والفرز الاجتماعي لمصلحة قوى السوق.


 تتطلب الأزمة الاقتصادية التي تراوح مكانها منذ سنوات مراجعة جدية وعميقة من منظور السياسات الاجتماعية، فالتعبيرات الاجتماعية للأزمة المتفاقمة بأبعادها وأسبابها المحلية والخارجية والمتمثلة في البطالة والفقر وارتفاع الأسعار، تؤكد حقيقة تواضع نتائج المعالجات التي لجأت إليها المؤسسات العامة وفشلها الكبير في بعض المواقع، ولعل إحدى المفارقات الكبرى تبدو في التركيز الدائم على المعالجات الاقتصادية للأزمة وغياب منظور السياسات الاجتماعية التي هي الأصل في العمل والبطالة وبالتالي في الفقر وفي الحراك الاجتماعي وفي القدرات الشرائية والاستهلاكية وفي مواجهة ظواهر الاستهلاك وارتفاع الأسعار، فالمعالجات الاقتصادية الصرفة بقصد أو بدون قصد أهملت على مدى سنوات عديدة السياسات الاجتماعية التي تعد اليوم وفي اعرق الديمقراطيات الليبرالية المعيار الأول للحكم على البرامج السياسية المتنافسة. 


ثمة فرق كبير بين الليبرالية المنفلتة التي تجعل الدولة والمجتمع في خدمة سوق صغيرة بدون تقاليد وبدون وعي عميق لمفهوم المصالح على المدى البعيد، وبين الليبرالية الاقتصادية المنظمة التي توازي بين الدور الاجتماعي للدولة من جهة والدور التنظيمي للسوق من جهة أخرى، لقد أثبتت تجارب الطموحات الليبرالية لدول صغيرة عديدة في حرق المراحل والعبور السريع فشلها، بل والنتائج الوخيمة التي لم تنعكس على بنى الاقتصاد وحسب، بل عل البنى الاجتماعية للدول أيضا.  


هناك مراجعة واسعة للقيم والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي برزت منذ التسعينيات من القرن الماضي والتي بدأتها مدرسة شيكاغو الشهيرة، وهي مراجعات لا تنحصر على المستوى الأكاديمي والنظري بل تطال اعتى المؤسسات الرأسمالية في العالم وفي مقدمتها البنك الدولي، ويتمثل ذلك في سياسات الرعاية الاجتماعية وفي حدود تدخل الدولة وأدوارها وتنظيم الأسواق الحرة وسياسات الضرائب وإعادة توزيع الثروة والسياسات الاحمائية، وفرضية القيمة في تحديد الأسعار، والمشاريع الصغيرة ذات المضمون الاجتماعي مقابل المشاريع العملاقة؛ الآن العالم تأكد وبالتحديد في الأسواق الصغيرة مدى الحاجة الى صيغة تنظيمية تحمل روح المسؤولية والتزاماتها القانونية في مسار الأسواق الليبرالية، وإلا ستكون النتيجة المزيد من الحراك الاجتماعي السلبي، والمزيد من الإفقار وسوء توزيع الثروات، والمزيد من الاحتكارات؛ وبالتالي هيمنة مطلقة من سوق مشوهة على الدولة والمجتمع معا.


فالطموح بالعبور الاقتصادي يعد اليوم السمة البارزة للاقتصادات الصغيرة في العالم، وإذا كانت هذه السمة تجعل العديد من الدول تقع في شرك الاندماج السريع ومحاكاة النموذج النظري غير الموجود واقعيا، فإن الحقيقة التي لا بد منها تتأكد بالحاجة الى النموذج المستقل في الاندماج الآمن في السوق الليبرالية العالمية، أي النموذج الذي يبدع أفكاره وسياساته حسب حاجاته وقدراته وفق منظوري الاقتصاد السياسي والسياسات الاجتماعية، وبهذا تنطلق ادوار الدولة في ثلاثية الأمن والرعاية الاجتماعية والتنظيم ولا تكتفي بدور المتفرج ووظيفة حماية السوق وحدها، لنأخذ على سبيل المثال سياسة الدعم ببعدها الاجتماعي والتي آن الوقت ان تقوم على اساس فهم جديد يرتبط بدور الدولة كضامن للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي فسياسة الدعم هي في المحصلة ضمانة سياسية واجتماعية ولا توجد دولة في العالم لا تقدم الدعم.


سياسة الدعم يجب أن تعتمد على فكرة أن الدولة لا يجب أن تقوم بدور الجابي والتاجر بقدر ما تقوم بدور الضامن للأمن الاجتماعي وللاستقرار السياسي، ويخدم الدعم في النهاية أهداف سياسية اقتصادية واجتماعية؛ (البقرة في أوروبا تحظى بدعم يومي قدره 2.5 دولار وفي اليابان تحظى بـ7.5 دولار يومياً، أما الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الحر فتدعم مزارعيها، وفي أوروبا يشكل مجموع الدعم الزراعي 30% من قيمة الإنتاج الزراعي  النهائي).


ان التقاليد الليبرالية التي أنشئ عليها المجتمع الأردني وتمأسست من خلالها الدولة تتعرض في هذا الوقت لاهتزازات عميقة، لا يدري احد الى أين تمضي في ضوء الاقتصاد السياسي المحلي وارتباطاته الإقليمية وبالتحديد مسارات التسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي، فالمراجعات السياسية وحدها ستبقى ناقصة ومحدودة الأثر إذا لم يصاحبها مراجعات للخيارات الاقتصادية من منظور السياسات الاجتماعية والاقتصاد السياسي المحلي وأبعاده الإقليمية والدولية.


  [email protected]

تعليق واحد

  1. لاليبرالية هنا ولا هناك
    لايوجد ليبرالية. يوجد إنتهازية مشينة تحمل عناوين ليبرالية للتمويه. الليبرالية هى الديمقراطية والمساواة والعدل والحقوق المدنية والإنسانية. اذكر لي واحد من الطبقة الرسمية يطالب بتطبيق اساسيات الليبرالية في الأردن. طبعا لن تجده لأن الليبرالية منافية لأركان الرسمية العربية بكل أنحاء العالم العربي. الليبرالية تعني الإنهيار الفوري لإمتيازت النخب الرسمية والتي تحمي نفسها من كل منافس عن طريق تكريس التخلف والفساد وشراء الضمائر.

  2. ارحمونا يا حكومة
    واضح من مقال الكاتب الكريم بان الوضع في الاردن هو في حالة فوضى عارمة وان الدولة الاردنية من خلال واضعي سياساتها تتجه الى تحميل المواطن مسؤولية وثمن كل شيىء فلقد تخلت الحكومة الاردنية عن تامين الرعاية الصحية المجانية لاغلب مواطنيها وتخلت عن تامين التعليم ايضا لمجموعة كبيرة من ابنائها اي طلاب المدارس الخاصة والذين سوف لن يجدوا مقاعد دراسية بالمدارس الحكومية لو قرروا العودة اليها
    وتخلت الحكومة عن تامين العمل لمواطنيها ومؤشر البطاله بارتفاع مستمر وتخلت وتخلت عن اشياء كثيرة .
    والسؤال اذا ما هي واجبات الحكومة امام مواطنيها والحال على ماهو علية الان ؟
    ولماذا تخلت الحكومة عن واجباتها لمواطنيها الذين يدفعون ضرائب تفوق الضرائب التي يدفعها المواطن الاميركي في بلدة.

    لماذا على المواطن ان يدفع ثمن كل شيىء للدولة مقابل لا شيىء من الدوله ؟ الا ما ندر
    حتى القبور يدفع ثمنها المواطن
    اين تذهب اموال المواطنيين التي تحصلها الدولة طالما ان المواطن يدفع ثمن كل شيىء ابتداء من ضريبة المسقفات وخدمات البنية التحتية من شوارع وكهرباء وماء ومجاري وانتهاء برسوم رخصة السواقة او تصديق معاملة عند كاتب العدل؟ يضاف الى هذة الاموال المساعدات المالية للاردن التي تاتينا من الاصدقاء.
    سؤال محير يدور بخلد كل مواطن اردني بحاجة الى جواب من حكومة تخلت عن مسؤوليتها تجاه شعبها المسكين الذي اصبح مثل الملخوم من ضغط الحياة ومتطلباتها.
    فالرحمة يا حكومة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock