أفكار ومواقف

السياسة المالية في العام 2020: هل نتفاءل بمستقبلها؟

قد يكون الانطباع الاولي عن توجه السياسة المالية للعام المقبل قد تشكل بعد الإعلان عن مشروع قانون الموازنة للعام 2020 وذلك من خلال أبرز الأسس التي تم اعتمادها في مشروع القانون، وهي عدم فرض أي ضرائب جديدة، وإدراج سلم زيادات مالية على رواتب القطاع المدني العام والقطاع العسكري، وإدراج زيادات رواتب المعلمين.
لن أدخل بتفاصيل بنود الموازنة، فقد أصبحت معلومة للجميع وخاصة ما يتعلق منها بحجم العجز وميزانية التمويل ومصادرها وتأثير ذلك على المديونية العامة للدولة والاقتصاد بشكل عام.
من المعلوم أن الجهة التي تعد الموازنة هي دائرة الموازنة العامة، وهي جهة فنية تنفيذية لا شأن لها في السياسات المالية أو الاقتصادية. وهذه الدائرة تبني الموازنة بناء على توجهات السياسة المالية للمملكة. ووزارة المالية مكون رئيسي في الحكومة، فهي الجهة المعنية برسم السياسة المالية بناء على وضع الاقتصاد الوطني وتوقعات أدائه المستقبلية. لذلك نتوقع أن تبنى الموازنة العامة لتتناسب مع اتجاهات الدورة الاقتصادية في المملكة، فتتدخل السياسة المالية لتصحيح مسارها. ونظرا لأن الاقتصاد الأردني يمر بحالة من التباطؤ الشديد منذ قرابة العقد من السنوات. وقد يصف البعض حالة الاقتصاد الأردني بالركود إذا ما اخذت معدلات النمو السكاني ومعدلات نمو الدخل الفردي بنظر الاعتبار. لذا يغدو من المتوقع أن يأخذ شكل مشروع الموازنة للعام 2020 الطابع التحفيزي للاستثمار وللاقتصاد.
من حيث المبدأ، فإن نمو الإنفاق الرأسمالي بنسبة 33.1 بالمائة في مشروع موازنة 2020 مقارنة بإعادة التقدير لعام 2019، وزيادة بند الرواتب والأجور في الجهازين العسكري والمدني يصب في اتجاه التحفيز. فالإنفاق بشقيه الجاري والرأسمالي أداة من أدوات السياسة المالية الرئيسة يستخدم بالصورة المناسبة للتأثير على النشاط الاقتصادي.
إن إعلان الحكومة عن نيتها بعدم فرض ضرائب جديدة يعتبر غير كاف كعنصر تحفيز للاقتصاد. فالضريبة هي الأداة الثانية الرئيسة من أدوات السياسة المالية للتأثير على النشاط الاقتصادي، وكل المعطيات تشير الى أن الحاجة ماسة لتخفيض معدلات وأحجام الضرائب. فالجميع يعرف أنه بهذا المستوى من معدلات وأحجام الضرائب تراجعت أرباح الشركات، وتراجع النمو الاقتصادي، وانخفض الطلب الكلي على الاستهلاك بشكل ملموس وتحول جزء كبير منه للخارج، فخسرت الخزينة ولم تتحقق أي مؤشرات من بنود موازنة 2019 المعاد تقديرها باستثناء المنح الخارجية التي جاءت أعلى من التوقعات وهو بند لا علاقة له بأداء الاقتصاد المحلي.
المطلوب ليس رفع القدم عن دعاسة الضرائب، ولكن استخدام الغيار العكسي وتخفيض معدلات الضرائب لسابق عهدها، وتصحيح المسار الضريبي الخاص بالدخل والمبيعات. فهناك إجماع على أن هناك تشوها وخللا في هيكل السياسات الضريبية، ويتمثل ذلك بشكل رئيسي في تركز الإيرادات الضريبية في ضريبة المبيعات، فهي تشكل حوالي 69.6 بالمائة من اجمالي الإيرادات الضريبية حسب مشروع موازنة 2020، والأصل أن تأتي معظم الإيرادات الضريبية من الدخل. أما التشوه الثاني في السياسة الضريبية فهو تفاوت معدلات الضريبة بين القطاعات الاقتصادية، فالأصل أن تكون موحدة على الشركات بغض النظر عن القطاع الاقتصادي الذي تعمل به، وان تكون تصاعدية لتعكس مستويات الدخل والارباح. كما ويجب أن تكون معدلات الضريبة على الافراد معقولة ومقبولة تعكس قدرتهم على الدفع ولا تشكل عبئا على ميزانية الاسر، وخاصة الطبقة المتوسطة من المجتمع، لأن ذلك يدفع باتجاه المزيد من تراجع الطلب وتباطؤ النمو الاقتصادي.
أما التشوه الثالث فهو التهرب الضريبي. ومسألة التهرب الضريبي قضية مهمة ولا بد من معالجتها بصورة تكون مقبولة اجتماعياً وقانونياً. باعتقادي أنه حتى تتم معالجة التهرب الضريبي لا بد من تفهم أسبابه، والتي من أبرزها عدم استقرار التشريعات الضريبية وكثرة تعديلاتها، وارتفاع حجم وعدد ونسب الضرائب، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، بالإضافة الى انعدام الثقة بين الحكومة والمواطن الفرد والشركة، وضعف الوعي الضريبي، وضعف الإدارة الضريبية وغيرها الكثير. وهنا يمكن تقديم الكثير من المقترحات الذكية والحكيمة لتمكين الدولة من معالجة التهرب الضريبي بصورة تكون مقبولة لطرفي المعادلة، وتأتي على رأس المقترحات استعادة الثقة بين المواطن دافع الضريبة والحكومة والمزيد من العدالة.
باختصار، إن مشروع قانون موازنة 2020 الذي قُدم يعتبر بمثابة وقفة ذكية في مكانها وزمانها ولازمة ومستحقة لمراجعة مسار السياسة المالية. وأعتقد أن تصحيح المسار يحتاج للمزيد من الإجراءات والقرارات والسياسات التي آن الأوان لاتخاذها. هذه الوقفة تدعونا لنتفاءل بمستقبل وتوجه السياسة المالية في العام الجديد 2020؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock