أفكار ومواقف

السياسة امتداد للحرب

 يقال عادة ان الحرب امتداد للسياسة، لكن أسامة بن لادن يقلب المعادلة وتصبح السياسة امتداداً للحرب، كما بدا ذلك بوضوح في شريطه الصوتي الذي بث الأسبوع الماضي، والذي يراوح فيه بين التهديد والوعيد، وبين طلب الهدنة وإعمار العراق وافغانستان، لا احد يدري هل الرسائل المفاجئة التي قدمها أسامة بن لادن وقبله بأيام مساعده ايمن الظواهري مقدمة لأحداث دراماتيكية جديدة، أم مجرد إعلان عن الوجود، وانهما مازالا على قيد الحياة، بعد ليلة الصواريخ الأميركية التي قصفت مواقع على الحدود الباكستانية قيل إنها استهدفت القاعدة ورموزها القيادية.


  شريط بن لادن الجديد هو الأول منذ أكثر من عام، في حين نشط مساعده الأول ايمن الظواهري في تقديم هذا النوع من الرسائل التي وصلت إلى سبعة أشرطة صوتية ومصورة خلال غيبة بن لادن، جميعها حملت رسائل سياسية تعدد المستهدفين فيها وتنوعت لهجة الخطاب ونبرته، وفي نفس الوقت أوضحت هذه التسجيلات تحولات وتناقضات الخطاب السياسي للقاعدة وقادتها، من طلب الهدنة من الأوروبيين مروراً بالدعوة إلى صفقات سياسية واستراتيجية مع أطراف دول التحالف يطلب فيها سحب قواتها من العراق مقابل الفوز بالنجاة، وإخراجهم من قائمة أهداف القاعدة.


 وهذه المرة تقدم القاعدة نوعاً جديداً من عروضها، ولكن المفاجأة ان عرض الهدنة موجه إلى الولايات المتحدة نفسها العدو الأول للقاعدة، ولأول مرة يتحدث أسامة بن لادن عن الإعمار وإعادة البناء في العراق وأفغانستان بعد سنوات عجاف من الهدم والقتل البارد، ولعلها مناسبة للتدليل على سخرية السياسة الدولية السائدة وحجم استثمار منطق الهيمنة الجديد في آلام الشعوب ومعاناتها. فالمجتمع الدولي الذي يصدق ادعاءات الولايات المتحدة بالإعمار وإعادة البناء حيث أصبحت هذه المقولة عكازة بل “حبل من مسد” لسياسات الهيمنة الدولية الجديدة، نفسه مدعو لكي يصدق هدنة القاعدة ودعوتها للمساهمة في إعادة البناء والاعمار، وها هو بن لادن يستخدم نفس مصطلحات الخطاب السياسي الأميركي ويتحدث عن الاعمار وغداً عن العراق الجديد. فالتاريخ بالفعل يعيد نفسه مرة على شكل ملهاة ومرة أخرى على شكل مأساة ومرة ثالثة على شكل خزي وعار.


لا جدال، بأن حجم الدمار الذي ألحقته أفعال القاعدة وعملياتها خلال السنوات الماضية يحتاج أجيالا من شعوب العالم العربي والإسلامي لمداواة ما أصابها من خسارات ودمار، ليس فيما يتعلق بصورة الإسلام والمسلمين في الغرب كما نردد دائماً، بل وصل الأمر الى حد فهمنا لهذا المكون الحضاري الذي ننتمي إليه ونعتز به، حينما تركت كل هذه المساحة أمام ذهنية الكهف لتحديد وجودنا ومصائرنا.


هل ثمة تحولات واضحة في أداء القاعدة الاستراتيجي؛ باعتبارنا نتعامل مع وحدات جديدة في تحليل العلاقات الدولية؟ وهل من المحتمل ان تطرح مفاجآت جديدة على الصعيد السياسي؟


لابد من الانتباه إلى طبيعة التحولات التي خلقها هذا التنظيم في العلاقات الدولية وفي المحددات الجيواستراتيجية للعالم الجديد، وكيف تتصرف القوى الكبرى والدول المعنية في ضوء ذلك، وبعد فهم هذا الدرس جيداً يجب الحكم على مستقبل القاعدة والإجابة عن السؤال التمهيدي، هل أصبحت السياسة امتداداً للحرب وليس الحرب امتداداً للسياسة، بمعنى أن الحرب الحلقة الأخيرة في السياسة التي نلجأ إليها حينما تعجز الحلول السلمية، وتكون السياسة امتداداً للحرب ايضاً حينما توظف نتائج الحرب مرة أخرى على شكل استثمار أو نجاح سياسي يجنيه عادة المنتصرون.


إحدى المفارقات الهامة بين الإرهاب والولايات المتحدة في سلوك كل منهما إزاء الآخر ان كلا الطرفين يتبادلان استخدام الأدوات نفسها في إدارة الصراع وفي جدول أعمالها، ويكفي مراجعة استراتيجية الضربات الوقائية التي اتبعتها الولايات في إدارة صراعاتها الجديدة مقابل الضربات المفاجئة التي اتبعتها القاعدة. في حين نلاحظ تواضع نتائج الاستراتيجية الأميركية التي اعتمدت على مرجعية القوة وضعف الاستثمار السياسي في الحرب كما يحدث حالياً في العراق، القاعدة هي الأخرى تحاول اليوم استثمار سجلها الملطخ بدماء الأبرياء على طول خرائط العالم وعرضها، في تحقيق مصالح سياسية بعدما أدرك قادتها – كما يبدو في التسجيل الأخير- حجم الفجوة التي باتت تفصلهم عن الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي إلى جانب حجم الخسائر التي تكبدتها المجتمعات العربية والإسلامية جراء ما اقترفته من أعمال، يتحدث أسامة بن لادن عن هدنة من اجل إعادة إعمار أفغانستان والعراق، وكأنه يريد ان يقدم كفارة عن جرائم تنظيمه وجرائم الآخرين أيضاً بعد ان فات الأوان.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock