أفكار ومواقف

السياسة بذهنية القبيلة

الطريقة التي تتصرف بها النظم السياسية العربية حيال مرحلة تصفية صراعات حقبة التحولات العربية لا تغادر ذهنية القبيلة فالسلوك السياسي وانماط التحالفات مملوءة بالثأرية والكيد السياسي والتنمر والتحالفات الرخيصة، منذ اكثر من ثلاثة عقود وصف المفكر العربي محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي بأنه محصور بثلاث دوائر تحركه القبيلة والغنيمة والبيان يبدو اننا لم نغادر هذه المساحة بل ان العالم بات اكثر فهما وادراكا للكيفية التي تدار بها السياسة في هذا الجزء من العالم.
تتغيير قواعد الاشتباك السياسي والاستراتيجي في الاقليم بسرعة وهناك احتمالات لعودة القضية الفلسطينية مجددا الى واجهة الاحداث والاولويات الدولية والاقليمية، وعلى رغم من بعض المحاولات الدافعة نحو تسخين جبهات اخرى واعادة تعريف مصادر التهديد وحرف بوصلته ؛ في هذا الوقت ما تزال المنطقة تواجه حالة من الغموض الاستراتيجي وتحديدا في مواقف دول مركزية في الاقليم.
السياسة لا تعني كسب كل شيء، وحتى الحروب لا تعني كسب كل المعارك، لكن المشكلة في هذا الجزء من العالم اننا نمارس السياسة بذهنية القبيلة المملوءة بالنزعات العصبية وبالثأر والغيظ ايضا. لم نتعلم بعد ان وقف الخسائر هو مكسب بحد ذاته، كما انه لا يمكن تصور ممارسة السياسية بأنه كسب على طول الخط او خسارة على طول الخط ايضا.
اطلاق عقلانية سياسية عربية جديدة تنقل النظام العربي الهش والمريض من موضوع مطروح على طاولة النقاش الى طرف فاعل واساسي في النقاش على مستقبل المنطقة، قد يبدو مصلحة دولية وهناك قوى كبرى لديها مصلحة في تحول من هذا النوع فقد تعبت حتى الدول الكبرى من الحالة الراهنة، وهذا يعني بالدرجة الاولى تعلم ان ممارسة السياسية لا تعني كسب كل شيء.
ثمة رغبة مشتركة تقودها القوى الكبرى في تجنب الدخول في أحداث كبيرة أو أزمات مفاجئة في الشرق الاوسط، فالكل يدرك ان المنطقة أنهكت بالحروب والاقتتال والأزمات والصدمات. والكل ينتظر.، هناك حالة من توازن الضعف تسود العالم، بفعل موجة العسكرة الهائلة التي لم تمارسها الولايات المتحدة وحدها بل مارستها أيضا روسيا والصين وبعض الأطراف الأوروبية؛ هذا المناخ الدولي استثمرته روسيا في توسعها في الشرق الاوسط خلال السنوات الخمس الاخيرة، وتعمل الولايات المتحدة هذه الايام على انتاج نسخة جديدة من نفوذها، حيث من المتوقع أن يدخل الشرق الأوسط مرحلة كساد سياسي، يضرب بالصغار والكبار معا. التهدئة الجديدة وتقاسم الادوار لا تعني فقط اننا امام مواسم من الصفقات السياسية الكبرى، بل ايضا احتمالات تفاهمات دولية تعيد كتابة تاريخ هذه المنطقة لعشرات السنيين القادمة.
ان مصدر الصراع التاريخي حول الشرق الأوسط يكمن في إغراء الجغرافيا السياسية وما تشكله من قيمة اقتصادية مضافة لها، وفي كل حلقة تاريخية من حلقات الصراع منذ اكثر من ثلاثة آلاف عام كانت مضامين وخطابات الصراع تتغير، إلا ان الجغرافيا تبقى ثابتة، منذ ان نشأت الحضارات الأولى في بلاد الرافدين ومصر القديمة ومنذ ان شهد الشرق القديم أولى المدن وأول الدول وأول النظم الإدارية وأول المقاييس والحسابات في التاريخ، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم بقيت حسابات التاريخ – وما تزال- قائمة على الجغرافيا وحساسياتها ومواردها ورموزها الثقافية، وهذا ما ستثبته السنوات القادمة؛ حينما نرى من يعرف ان يقرأ الخرائط جيدا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock