أفكار ومواقف

السياسة والرياضة .. تشابهات..!

أصبحت أندية كرة القدم الكبيرة في العالم دويلات، لها “مواطنون”، وميزانيات بالمليارات، وخطط اقتصادية، وهياكل فنية وإدارية، وعقارات ومؤسسات وأرباح وخسائر. وتعمل هذه الأندية، وتربح وتنتشر، باستثمار عمل 22 لاعباً محترفاً فقط في فرقها الأولى. وتمتلك بعض الأندية أكاديميات لتطوير المواهب وجني الأرباح منها، ببيع اللاعبين أو بتصعيدهم حتى الفريق الأول.
مثل الدول، قد تسقط إدارة نادي كرة القدم المعني وتُطالب بالرحيل (أو التغيير السريع في النهج) إذا فشلت بشكل أساسي في شيئين: نتائج رياضية مُرضية، بمعنى الفوز في المسابقات؛ والعجز عن إدامة اقتصادات النادي بطريقة تقلل مداخيله وأرباحه –وبالتالي فقدان جمهوره وأهميته. والأمران متعالقان. فالنتائج الرياضية هي التي تجلب الجمهور، وبالتالي الشركات الراعية والبث التلفزيوني والمبيعات في متاجر النادي وبقية مصادر الدخل. والمداخيل الجيدة هي التي تسمح للنادي بالإنفاق على منشآت النادي والجهاز الفني واللاعبين الذين يحققون النتائج الرياضية، وبالتالي تحقيق المزيد من الدخل. وتقوم اقتصادات مدن بأكملها على وجود نادٍ رياضي كبير في بعض الأحيان، مثل مدينة برشلونة الإسبانية على سبيل المثال، التي يساهم ناديها في ترويجها وجعلها وجهة رئيسة.
قد يجوز تشبيه رئاسة الأندية ومجالسها الإدارية بالأنظمة السياسية الحاكمة في الدول. قد يمكن تشبيه مدربيها وأجهزتها الفنية بمكاتب رئاسات الوزراء؛ وتشبيه لاعبيها بالوزراء –وربما بالطاقات التي يتم الاستثمار فيها بشكل أساسي. وإذا جاز التشبيه، فإن “الرئاسة” هي المسؤولة عن اختيار المدير الفني “رئيس الوزراء” الذي يختار مع فريقه اللاعبين “الوزراء” بحيث يكون كل منهم هو الأفضل في مركزه ما أمكَن. وسيكون أداء اللاعبين وسلوكهم، “في العمل الرسمي وخارجه”، هو الأساس لتحديد سوية الأداء العام للمؤسسة/ الدولة، من حيث السمعة والجاذبية والنجاح الاقتصادي والمعنوي. وسوف يتأثر ولاء الجمهور (وكل العوامل المرتبطة به) بقرارات هذا التراتب الإداري: سوف يحدد الأداء مستوى “الولاء” والارتباط العاطفي بالنادي/ الدولة، من حيث مخاطبة الميل إلى التفوق والتميز والروح الانتصارية. وسوف يحدد “الأداء” نوعية دخل صاحب مطعم أو فندق أو سائق سيارة أجرة في برشلونة أو محيط نادي مانشستر يونايتد وبقية الأندية.
لذلك، لا يمكن التسامح مع أداء اللاعبين/ الوزراء، بحيث يجري التخلي عنهم واستبدالهم بمجرد أنهم لم يعودوا قادرين على شغل مراكزهم ويُخلّون بأداء المجموعة. كما لا يجوز في كرة القدم -وفي السياسة منطقياً- ألا تسود مؤسسة بعيدة النظر تضع في اعتبارها الاستدامة عن طريق الإحلال المستمر. وبذلك، سيترتب، مهما طال الزمن –القصير نسبياً في كل الأحوال- جلب وجوه جديدة لدى استنفاد المواهب القديمة نفسها. وسوف ينتقل اللاعبون القدامى إلى أدوار أخرى في الحياة.
أما الأكاديميات، فتشبه وزارات التربية والثقافة بشكل ما. وعملها الأساسي هو توظيف الكشافين أصحاب البصيرة للبحث عن المواهب واحتضانها وتطويرها والاحتفاظ بالمتميزين من أصحابها واستخدامهم لإدامة المشروع ومكاسبه. ويأتي هؤلاء الناس لإعداد الكفاءات وتطويرها (التعليم والتأهيل)، اللاعبون يأتون من الجمهور، ولا يجب أن يكونوا من أبناء اللاعبين الذين يأتون بالوراثة، أو الذين لهم أسماء عائلات عريقة. فالأداء في الميدان هو المعيار الأول والأخير.
في كرة القدم، والسياسة على الأغلب، يُحاسَب عن أداء اللاعبين “المدير الفني” وجهازه، بحيثُ يطالب الجمهور برحيله أو تقيله الرئاسة إذا لم تتحقق الأهداف المعروفة في فترة معلومة. وكثيراً ما يُطاح برئاسات الأندية نفسها (إذا كانت منتخبة) لأنها فشلت في اختيار المدير الفني أو لم تستبدله عند فشله، أو أخفقت في اختيار اللاعبين المناسبين لشغل مراكزهم بكفاءة واضحة لإنجاح المشروع العام. أما إذا كان الذي يدير النادي هم مالكوه، فإنهم يقومون بالتغيير اللازم عند الفشل، لأنهم في النهاية يريدون الكسب ونجاح المشروع. والذي يقوم بالضغط على الرئاسات والمديرين الفنيين واللاعبين هم الجمهور. وهم العامل الأول والأخير في إدامة الأندية وكل شيء يمكن أن تحققه، اقتصادياً ومعنوياً. والنادي بلا جمهور متفاعل وموالٍ هو صفر على الشّمال، لأن كل كسب مادي أو معنوي يأتي منهم، ومنهم فقط.
بذلك، حتى “ميسي” السياسة يتغير عندما ينتهي دوره؛ و”غوارديولا” السياسة يُقال إذا واصل الخسارة، و”بارتوميو” السياسة يرحل إذا تراجع المشروع في رئاسته. وإذا كان الرئيس مالِكاً، فسيجرب كل شيء حتى يفوز ويربح مشروعه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock