أفكار ومواقف

السياسة والقانون وأشياء أخرى

هناك إشارة واضحة في الورقة النقاشية الملكية السادسة إلى أن الولاء للأردن يعني أول ما يعنيه، الالتزام بالقانون والصالح العام: “إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين”. ولعل هذه الإشارة هي الأكثر دقة في وصف ما نحتاج إلى تعديله في علاقات السياسة بالقانون، وعلاقة السياسيين بإنفاذ القانون واحترامه وجعله يعمل لصالح الجميع. وهذا يعني أن الفكرة المركزية التي آن الوقت للدولة الأردنية أن تعبر نحوها، مفادها أن القانون هو الصالح العام بعينه، ولا يجوز للسياسيين، تحت أي ظرف من الظروف وتحت أي مبرر من المبررات، أن يتجاوزوا القانون أو يسترخوا في تطبيقه، أو يمارسوا إعاقة إنفاذه تحت حجج سياسية تتوارى خلف فهمهم للصالح العام.
خلال ثلاثة عقود مضت، ازداد التوظيف السياسي للقانون. وظهرت أجيال من السياسيين لدينا أبدعوا في وضع القانون على الرف تحت ذرائع وحجج تتلخص في رؤيتهم للصالح العام، وفي سياق من خطاب الولاءات الذي لم يخدم الأردن وقيادته وشعبه. ولدى الكثيرين منا أمثلة عديدة، وثمة ملفات كثيرة تقول إنه لو كانت مسطرة القانون تعمل لما وصلنا إلى هذا وذاك. فقط راجعوا سلوك السلطة التنفيذية وسلوك السلطة التشريعية في السنوات الأخيرة في الاسترضاء وشراء الولاءات السياسية على حساب القانون وحقوق المجتمع.
وإصلاح العلاقة بين السياسة والقانون في بلادنا لا يمكن أن تستقيم إلا بإصلاح فهمنا لثلاثة مفاهيم مركزية، هي: الانتماء، والصالح العام، والولاء؛ كيف يمكن أن نخلق فهما وطنيا يثبت بالغرس الثقافي، بأن الانتماء محصلة لكل عوامل الثقافة والتاريخ والأرض والإنجاز والمصالح، وهو قيمة لا تقبل المساومة ولا التغيير ولا المناورة، وأن يتم الفصل بين فهمنا للولاء السياسي والانتماء الوطني، في حين أن القانون هو أكبر ضمانة للصالح العام. فما دام كل من القوى السياسية والاجتماعية والأحزاب ومؤسسات المجتمع ترى الصالح العام بطريقتها، أو ترى الوصول إليه بشكل أو بآخر، فإن على الجميع أن يجعلوا من حضور القانون وإنفاذه هو الأساس المتين لتعريف الصالح العام والعمل من أجله.
التدخل السياسي، عبر آليات متعددة، في إعادة تكييف القانون، أضعف مكانة القانون في المجتمع، وأضعف ثقة الناس بفكرة دولة القانون والمؤسسات. وبالتالي، أضعف هذا التراكم أداء مؤسسات تطبيق القانون ومرفق القضاء. إذ هناك ثلاثة معايير دولية معروفة لكفاءة هذا المرفق، جميعها -للأسف- سجلنا تراجعا كبيرا فيها: الأول، عدد القضايا في المحاكم مقابل عدد السكان. والثاني، سرعة أو تباطؤ التقاضي؛ أي المعدل العام للوقت الذي تبقى فيه القضية منظورة أمام القضاء. والثالث: قدرة الدولة على إنفاذ الأحكام. ومن المعروف أنه حينما يرهق هذا المرفق، يلجأ الأفراد والجماعات إلى أدواتهم الأولية لتحقيق مصالحهم، ومن بينها العنف وكسر تفرد الدولة باحتكار القوة وإنتاج الولاءات الفرعية. وعلينا تعلم الدرس الكبير بأن الأخلاق هي نتاج القانون. فالجبر القانوني أكبر قوة تعمل على تعديل السلوك الذي يتحول إلى تقاليد وأخلاق حينما ينسى الناس القانون.
أكثر ما نحتاجه اليوم هو تخليص القانون من سطوة السياسة وهيمنة السياسيين، وقلب المعادلة السائدة بأن تكون السياسة تتبع القانون، وليس العكس؛ أي إعادة توقيف الدولة على رجليها، كي تقوى أن تمشي بثقة وبخطى ثابتة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock