أفكار ومواقف

السياسة والمعارضة ليستا تسلية المتعجرفين

“ماذا تفعلون في أوقات الفراغ؟ نخرج إلى الملعب فنلعب” (كتاب القراءة للصف الثاني، 1969).
ليس متوقعا من النواب والسياسيين أن يقدموا شيئا خارج الاعتبارات التي أوصلتهم إلى القيادة والتأثير. وبذلك، ندخل في مأزق خطير يُفشل الأداء العام برمته! فالعمل السياسي والاقتصادي تديره النخب والقيادات حتما وفق أفكارها ومصالحها، وليس هذا عيبا إلا عندما تكون هذه الأفكار والمصالح ليست منسجمة مع أفكار وتطلعات المجتمعات والمواطنين.
الانتخابات، ببساطة، تعكس المصالح المنشئة والمشاركة، ولا يمكن التوقع من مجلس النواب والحكومة إلا التعبير عن هذه المصالح. لذلك، فإن النواب الذين جاؤوا وسوف يجيئون بأصوات عشائرهم والمناطق والبلدات التي ولد فيها آباؤهم، لا ينتظر منهم شيء بخصوص ترشيد الإنفاق العام وتحسين الخدمات العامة الأساسية والتغير المناخي والحكومة الإلكترونية وتطوير التعليم والمستشفيات والرعاية الاجتماعية، إلا بمقدار ما تفكر تلك العشائر والمناطق والبلدات في ذلك!
وعلى نحو ليس منفصلا عن الفقرة السابقة، فإننا نشارك في الانتخابات والحياة السياسية والعامة واليومية، ونبني أفكارنا ومعتقداتنا واتجاهاتنا، وفق تعريفنا لأنفسنا؛ من نحن وماذا نريد؟ ويمكننا ببساطة التقدير لمسار التقدم أو الفشل، والازدهار أو التخلف؛ فذلك كله مستمد من الوعي بما نريده ونسعى إليه. وإذا لم نكن نعرف، فإن السياسة والانتخابات تتحولان إلى متوالية مرعبة، تتم إدارتها على نحو منفصل عن إرادة الأمة/ الشعب وولايتها الدستورية على السلطات، وتحولهما إلى حالة من التنافس النخبوي المحصور في هدفه وغاياته بالدخول الى نادي الأقلية الاحتكارية (الأوليغاركيا). وبطبيعة الحال، فإن السياسة تتحول إلى صراع بين النخب والمجتمعات وسائر الطبقات، لأنه -وببساطة- ثمة تعارض في المصلحة. حتى تلك السياسة المسماة معارضة، تتحول أيضا إلى مجرد وسيلة لفئة من النخب الغاضبة أو الخاسرة للضغط والتأثير، ولسان حالها: إذا لم أكن جزءا من اللعبة الاحتكارية، فإنني أعارضها؛ أو للرد على الخروج من المكاسب الاحتكارية، فهي صراع على الاحتكار.
لا ينقذ العملية السياسية والانتخابات سوى أن تعي المجتمعات والطبقات ولايتها وتسترد هذه الولاية، وأن تعيد تعريف نفسها وفق إدراكها للولاية على السلطة والموارد، ومن ثم تقدم إلى مجلس النواب من يعبّرون عن هذه الولاية. ويضع هؤلاء، بطبيعة الحال، أولويات وتطلعات الناس في السياسة العامة والتشريعات والإنفاق والخدمات الأساسية، ليس باعتبار هذه الولاية شرفا عظيما مستقلا عن مصالح الناس، ولكنها ولاية تستمد شرفها وسموها من مصالح الناس. السمو في مصالح الناس، وما لا يُحسّن حياة الناس وفرصهم ليس إلا خواء لا يحمل أي قدر من السمو!
من نحن؟ يكون الأداء العام فاعلا وإيجابيا عندما تكون إجابة جميع الناس واحدة، فيما تتضاءل فرص الإصلاح بمقدار ما تتعدد وتتشتت الإجابات. ومن ثم، يمكن أيضا تقييم الانتخابات، ذلك أنها (الانتخابات) ليست سوى هذه الحال “من نحن”. فإن كانت الإجابة عشائر وبلدات أو مغامرات، فإن العملية الانتخابية ليست سوى قرعة أو سحب على اليانصيب؛ كأنها مجرد إدارة قرعة ونصيب!
لن يكون الإصلاح المنتظر من نواب المصادفة سوى مصادفة؛ مصادفة أن يكون مرشح العشيرة أو البلدة التي ولد فيها أبوه متحمسا للإصلاح. ولا أمل لنشطاء البيئة ومواجهة التغير المناخي، على سبيل المثال، سوى أن يكون أحدهم ينتمي إلى عشيرة أو رابطة تملك أصواتا انتخابية كثيرة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مرشحون وإنتخابات
    حتى يتحقق ما تمناه الأستاذ الكاتب ، واشار اليه بحرفية واستاذية عميقة الفهم ، يجب ان نعود الى المربع الأول الذي يطرح السؤال المشروع التالي : كيف نتعرف على حقيقة مرشحنا الذي يملأنا بالقناعة انه اهل لهذه المهمة الكبيرة المقدسه ؟ ……. انا اجيب ليس بالكثير من اليأس : لن نستطيع ، كيف ولماذا ؟….
    اجابات متباينة تعج بها المواقع الإخبارية والندوات والإجتماعات وحتى المضافات في البوادي والأرياف . وإذا ما اجتهد البعض منا وتحصل عن بعض المعلومات عن مرشحه المعتمد ، تجده يشكك في الكثير من هذه المعلومات التي يعرفها ، او يغمض العين عن نقائضها ،لأسباب نعرفها جميعاً تتعلق بالعصبية القبلية التي يحكمها القول الغير محمود : انصر اخاك ظالماً او مظلوماً ! .
    إنعدام او ضعف ثقة الناس بالناس في هذا الزمن الردئ ، الذي خبت فيه الثقة والتصديق والمشاركة وحتى التحبب والمودة ، حدت بالبعض ان ينتخب كيفما اتفق ، دونما اهتمام وتمحيص في تاريخ نائبه وثقافته وسلوكه مما طرح نواباً في برلمانات سابقه سودوا وجوه من انتخبوهم ولم يكونوا اهلاً لها .
    لماذا لا يُطلب من المرشح للانتخابات ان يتقدم بكتيب ُيضمنه معلومات كافيه عن ثقافته وطفولته وتصوره للمستقبل وبرنامجه الذي يطمح ان يطرحه في المستقبل ؟ ……. ولماذا لا تتوفر الشجاعة الأدبية عند الناخب ان يخضع نائبه للإجابة عن اسئلة صريحة يجب عليه ان عليها بأمانة وصدق ، وذلك قبل وبعد عملية الإنتخاب ؟
    هذا أمر هام ولكن الأهم منه في هذه المعادلة ، هل بمقدور الدولة اية دولة تشابه دولتنا بإمكاناتها المتواضعه ان تستجيب وتحقق مطالب نواب امتها على اختلاف مطالبهم وقناعاتهم ؟ الجواب لا وذلك لأنك حتى تُطاع اطلب المستطاع ، اذ ليس كل ما يطلبه النواب تكون الحكومات قادرة على تحقيقه هذا بما يتعلق بالمطالب العامة ، فكيف إذا تحولت مطالب النواب عن تحقيق المصالح العامه الى طلبات خاصه ؟
    ارى ان التوالف من جهة والتوافق من جهة اخرى بين السلطة التنفيذية والتشريعية على الأمور الجوهرية العامة في الدولة ، يوصلنا الى طريق الخلاص . اما اذا سارت الأمور كما كانت سابقاً فلا خلاص !!!! .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock