أفكار ومواقف

السيدة هند والالتزامات المتعثرة

أثارت قصة توقيف السيدة هند الفايز موجة من الاحتجاجات ما سمي بالتصيّد الذي مورس ضدها، واختيار يوم الخميس لتنفيذ ذلك، مع تعطل جهاز الكمبيوتر الذي يحدد المبالغ المطلوبة منها. وبذلك صار الهدف واضحاً وهو إرسال رسالة لها بأن تمسك عليها لسانها، ولكي تكون عبرة للآخرين. ومهما احتج أهلها من آل الفايز الكرام، أو تضافرت معها العشائر والقبائل، واصطف خلفها الليبراليون والمعارضون، فإن هذا لن يعوضها نفسياً عن الألم الذي عانته في إلقاء القبض عليها، وفي اعتقالها حتى سددت الفاتورة التي عليها.
وقد قال كثير من الناس كلمتهم في الذي جرى، وأنا من المتألمين لكل الحادثة. ولكنني في هذا المقال سأعرج على بعض الاقتراحات التي تساهم في تخفيف التوتر والضغط الهائل الذي يشعر به المواطن العادي في أعوام الرمادة التي مررنا بها وما نزال رغم بعض المؤشرات الإيجابية التي تلمع في الافق.
كيف يجوز للحكومة أن ترهن جميع عقارات المدين مقابل دين لا يشكل إلا جزءاً من قيمة الضمانات المرهونة؟ فالسيدة هند الفايز كما أخبرتني في لقاء جمعنا قبل توقيفها بأيام ان مجموع الديون التي عليها تبلغ كذا ألفاً (اقل من خمسة عشر الفاً) مقابل حجز الجهات الدائنة (الحكومة في هذه الحالة) أرصدة وأراضي تملكها أو ورثتها عن أهلها تتجاوز (3) مليون دينار؟ هل هذه اللاتماثلية بين حجم الدين وحجم المرهون معقولة؟ أم أنها ممارسة أقرب إلى الربا الممنوع قانوناً والمحرم شرعاً؟
وكالعادة، فإن ممانعة السيدة هند من الدفع قد تكون نابعة من شعورها بالظلم، وأن قصتها يجب أن تذهب للقضاء. ولكن لماذا لم تقم الحكومة باقتطاع أرض أو رصيد لها وعرضه بالمزاد العلني والسداد كما تفعل في كثير من الأحيان؟
وأذكر أن قضية الغارمات في الاردن قد نالت اهتمام جلالة الملك، وساهم جلالته هو وأهل الخير في الاردن في دفع الأموال المطلوبة عنهن. والسيدة هند ليست فقيرة، ولا غارمة بالمعنى الذي نال اهتمام الملك عبدالله الثاني، ولكن قصة الحجز على أموال أضعاف أضعاف قيمة المطالبة أو القرض لا يجوز أن يبقى كما هو، بل يجب ألا تزيد قيمة المحتجز من الرهن والكفالات عن 150% من قيمة الدين. وهذا ربما يخفف عن آلاف الغارمين في الاردن.
والنقطة المتعلقة بهذا الأمر هي أن مجرد تقديم شكوى أو ادعاء بالدين يؤدي إلى المطالبة بالمدين مما يدفعه للاحتجاب عن الناس أو البقاء داخل الاردن كي لا يمنع من السفر. ولا يجوز وضع المطالبة بشكل اوتوماتيكي بمجرد تقديم الشكوى، ولكن بعد التحقق من صحتها بالأوراق الثبوتية. ولا يجوز أن ننحاز فوراً لصاحب العين المخلوعة، فقد يكون غريمه قد فقد عينيه الاثنتين.
أما النقطة الأخرى ذات العلاقة، والتي تحيرني ولا بد أن أثيرها فهي المتعلقة بالضمانات العقارية التي تأخذها البنوك من الدائنين مقابل قرض ما. فالذي يشتري شقة بمائة الف دينار لا بد له أن يقدم للبنك ضمانات عقارية بقيمة 150 الف دينار حسب تقديرات البنك، والبنك لا يعطي كامل القرض بل من 70-80% من القيمة. وبمعنى آخر، فإن البنك سيقدم للمدين حوالي 70 الف دينار ليشتري الشقة.
ومتى ما انتهت مدة التأجيل وعجز المدين عن السداد، تعرض الشقة للبيع، وعادة ما تخسر حوالي نصف قيمتها، فيأخذ البنك خمسين الف دينار، ويستمر بمطالبة المدين بسداد الرصيد الباقي من القرض.
كيف يجوز هذا؟ البنك هو الذي يقدر قيمة الرهن ويقلل من تلك القيمة بنسبة لا تقل عن 30%. ومن ثم يقوم بمنح قرض يساوي على الأكثر 80% من القيمة المقدرة للعقار. وهذا يعني أن البنك قد اخذ كل الاحتياطات المطلوبة. فلماذا يطالب بباقي القرض عند بيع الرهن بأي قيمة؟
لقد فتح هذا الباب عبر السنوات الماضية كثيراً من القصص المأساوية لأناس فقدوا بيوتهم واراضيهم بأبخس الأثمان. ولو أن البنك يعلم أن كل ما سيحصله من رصيد القرض هو المبلغ الذي سيحصل عليه من الفائز بالمزاد العلني على العقار المرهون، لكان البنك أكثر حرصاً على استيفاء اكبر مبلغ ممكن. وإذا حصل على مبلغ أكبر من صافي رصيد القرض، فعلى البنك أن يعيد ذلك المبلغ للمدين.
الحكومة اتخذت اجراءات للتخفيف عن الناس في مجال العقار. آن الأوان أن تنتبه إلى قصص الغارمين الذين تنشر أسماؤهم بالمئات كل يوم على عدد من صفحات كل جرائدنا المحلية، وأن تبعث رسالة طمأنة لهم حتى يستريح السوق المنكوب بنقص السيولة والعسرة المالية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock