تحليل إخباري

السير بلا أطراف

معاذ دهيسات

بالحفر في النمو السكاني الأردني نجد أن عدد السكان كان في نهاية عقد السبعينيات في المملكة وبحسب دائرة الإحصاء العامة ما يقارب المليوني قاطن ومقيم على الأراضي الأردنية، واحتاج هذا الرقم لعقدي الثمانينيات والتسعينيات كاملين لينتقل للضعف أي ما يقارب الأربعة ملايين إنسان، واستمر الرقم البشري بالنمو الطبيعي حتى ما بعد حرب الخليج الثالثة التي انتهت بسقوط بغداد مطلع الألفية، حيث يسجل ثبات للرقم السكاني بخمسة ملايين ساكن على جغرافيا الوطن من الأعوام 2002 وحتى 2006 أي بمعدل خمسة أعوام للقفزة المليونية الواحدة فيما احتاج رقم ستة ملايين لأربعة أعوام لتجاوزه حيث استمر عدد السكان ضمن حدود ذات الرقم في الأعوام 2007 وحتى 2010.
ويسجل أنه حتى نهاية العقد الأول من الألفية الثانية كان النمو السكاني- بعيداً عن التوزيع الجغرافي- لا زال ينمو بتدرج ضمن الأرقام الطبيعية القابلة للتحليل والقراءة والمعالجة، إلى أن قفز رقم ستة ملايين إلى عشرة ملايين بمعدل أربعة ملايين في ثمانية أعوام أي من 2010 وحتى إحصاء 2018 حيث تضاعف عدد السكان بما يعادل العقود السكانية الأردنية الثلاث الثمانينيات والتسعينيات وغرة الألفية الثانية.
أرقام بحاجة للتوقف ويستطيع أي قارئ للبيانات ملاحظة الخلل ولكن ما يفزع أكثر هو حجم التشوه العام في التوزيع السكاني في الأردن حيث أن تسعين بالمائة تبتلعهم المدينة ويتناثر عشرة بالمائة في الأرياف، وفي العاصمة وحدها يتكتل أربعة ملايين ونصف إنسان من أصل عشرة ملايين أثبت وجودهم الإحصاء السكاني على أرض المملكة في رصده للعام 2018، فيما تقتسم محافظتا إربد والزرقاء ثلاثة ونصف مليون مقيم ضمن حدودهما الإدارية، ويتوزع المليونان المتبقيان في باقي المحافظات التسعة، منهم مليون من السكان مناصفة بين البلقاء والمفرق، والمليون الأخير لعجلون وجرش ومادبا والجنوب كله.
أرقام ليست بحاجة لخبراء لإقرار الفشل التنموي الذي أوصلنا لهذا الرسم الأقرب في وصفه لطفرات سرطانية، هذه النسب المختلة اعتاد محللوها والمخططون عند الإجابة على سؤال الفشل في إدارتها إلى الاختباء خلف عبارات مثل: الهجرات القسرية من المحيط أو نحن نعيش في إقليم مضطرب وغيرها من الجمل المعلبة حتى بات هذا الرد غطاء لفشل منظومة التخطيط وذريعة سهلة يبرزها أي مسؤول عند حشره في سؤال حول التنمية.
لقد تحولت المدن الأردنية الثلاث المتخمة سكانياً وبحسب مؤشرات الأرقام الرسمية إلى معسكرات عمل في مشهد فقد فيه البناء الاجتماعي خصائصه وقدرة أفراده على الاندماج في ظل بيئة منزوعة الروح معززة بنسب غير متجانسة في التوزيع بالعمر أو بين الجنسين.
وبذات الوقت تهشم هيكل المحافظات في هجرات سكانية أساسها محاولات البحث للدخول في النشاطات الإنتاجية، وتسجل الأرقام الإحصائية أن المحافظات المليونية تتمتع بنسب بطالة أقل بكثير من محافظات الأطراف ذات الأعداد الهزيلة بعد أن تركها شبابها متجهين كالفراش نحو أضواء المدينة.
إن العودة إلى المحافظات هو التكتيك الحقيقي لمن يبحث عن المخرج من المأزق فهي الأطراف وبكل تأكيد لن تستطيع السير بأطراف مبتورة ومشوهة كما هي اليوم، لذا فإن اللامركزية أو الإدارات المحلية هي حلول بائسة إن لم تمنح كل محافظة عناصر الحياة والقدرة على الازدهار ضمن معطيات كل منطقة فكل منطقة إدارية تملك سمات وبنى تتقارب وتختلف مع غيرها فمنها الزراعي ومنها الصناعي ومنها السياحي وعليه تبنى الخطط المتعلقة بكل منطقة ضمن رؤية وطنية ليخرج بالنهاية تصور شامل، هذا التصور المتكامل هو الأردن.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock