ترجمات

السيستاني في مواجهة الميليشيات: مستقبل السيادة العراقية

حمدي مالك* – (معهد واشنطن) 14/9/2021

في الشهر الماضي، أدان زعيم الميليشيا العراقية الشيخ حميد الياسري الجماعات المسلحة المدعومة من إيران التي تنشط في بلاده، متهماً إياها بقتل محتجين سلميين وسرقة أموال عامة باسم الإسلام الشيعي. ومن الضروري أن يولي المجتمع الدولي المزيد من الاهتمام للتطورات في النجف، حيث تعمل الجماعات المدعومة من السيستاني على مقاومة إيران بقوة، لكنها ما تزال تواجه السؤال حول الشخصية التي ستواصل رسالته.
* * *
في 13 آب (أغسطس)، وفي خطوة علنية غير مسبوقة، أدان زعيم الميليشيا العراقية الشيخ حميد الياسري الجماعات المسلحة المدعومة من إيران التي تنشط في بلاده، متهماً إياها بقتل محتجين سلميين وسرقة أموال عامة باسم الإسلام الشيعي. وكانت عظته مؤثرة بشكل خاص نظراً إلى مقامه كرجل دين نافذ مقرّب من آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأبرز في العراق. وتوفر مثل هذه الملاحظات مؤشراً واضحاً آخر لا لبس فيه على اتساع الهوة بين الميليشيات الموالية لإيران والألوية المؤيدة للسيستاني ضمن “قوات الحشد الشعبي” -وهو صدع قد يضر بالنفوذ السياسي والشرعية المحلية لوكلاء طهران. ويعدّ فهم مَكمن هذا الضعف أساسياً لتطوير أي استراتيجية تهدف إلى التصدّي لأكثر الميليشيات إثارة للمشاكل في العراق.
لماذا تُلمِّح عظة الياسري إلى تحول أوسع
تعكس عظة آب (أغسطس) الحرب الإيديولوجية الأوسع نطاقاً التي تُشن حالياً ضمن المجتمعات الشيعية في العراق ودول أخرى. فمن جهة، هناك المدرسة الشيعية القتالية/ السياسية بقيادة جمهورية إيران الإسلامية، التي يكون أتباعها أكثر ولاءً للمبادئ الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية من ولائهم للأمم السيادية التي يقيمون فيها. ومن جهة أخرى، توجد المدرسة الشيعية غير السياسية بقيادة السيستاني، الذي يهيمن على مدينة النجف العراقية المقدسة باعتباره المرجع الأعلى.
والياسري ليس ناطقاً باسم السيستاني، لذلك لا يمكن اعتبار ما يقوله موازياً لأي تصريح صادر عن آية الله. ومع ذلك، فهو مؤتمن لدى السيستاني، وواحد من أبرز أمنائه. ولدى السيستاني مئات المؤتمنين الموكلين بمهام محلية مثل جباية وتخصيص الضرائب الإسلامية. ولكن الياسري هو شخصية بارزة بشكل خاص، حيث إنه آمر “لواء أنصار المرجعية”، اللواء 44 في قوات الحشد الشعبي، الذي هو إحدى الميليشيات الأربع التي تدور في فلك السيستاني. وعلى الرغم من أن هذه العتبات هي رسمياً جزء من قوات الحشد الشعبي، إلا أنها ترفض الخضوع لأوامر “هيئة الحشد الشعبي” التي تهيمن عليها إيران وتخضع من الناحية العملياتية للجيش العراقي.
علاوةً على ذلك، وكجزء من الدائرة المقربة من السيستاني، فإن أفراد من أمثال الياسري هم على علم بخطوطه الحمراء ولا يتخطونها. وبالتالي، يمكن القول إن الرسالة الأساسية التي حملتها عظته ضد الميليشيات المدعومة من إيران تندرج في إطار النقد المقبول بالنسبة لآية الله.
كما أن الإجراءات الأخيرة التي قامت بها الميليشيات التي تدور في فلك السيستاني تحمل دلالات على ذلك. فعلى سبيل المثال، عندما نظمت قوات الحشد الشعبي استعراضاً عسكرياً كبيراً في ديالى خلال حزيران (يونيو)، رفضت “العتبات” المشاركة في الاستعراض على الرغم من دعوتها من قبل هيئة الحشد الشعبي.
تحليل محتوى ملاحظات الياسري ونبرتها
خلال حديثه من مدينة الرميثة الجنوبية أمام مئات المعزين الشيعة خلال إحياء شهر محرّم، خصص الياسري الجزء الأكبر من عظته في آب (أغسطس) لتوجيه انتقاد لاذع للميليشيات المدعومة من إيران. وتمحورت إحدى رسائله الأساسية حول أهمية الولاء للعراق حيث قال: “مِن الإمام الحسين تعلمنا أن من يوالي غير الوطن خيانة ودجل عظيم وخداع كبير”. وهذا الموضوع حساس بطبيعته بالنسبة للعناصر العراقيين ضمن الجماعات الوكيلة لطهران، لأن العديد من أبناء وطنهم يعتبرونهم خونة. وتابع الياسري: “أن يأتينا الصوت والتوجيه والإرشاد من خلف الحدود، فهذه ليست عقيدة الإمام الحسين، نحن نرفض هذه الانتماءات والولاءات ونعلن بأعلى أصواتنا، بلا خوف وبلا تردد… أن مَن يوالي غير الوطن فهو خائن”.
وبالفعل، كان لخطابه أهمية بسبب نبرته الغاضبة بقدر ما كان محتواه. فقد وصف الميليشيات المدعومة من إيران بطريقة تلمّح إلى أنها منعزلة أو منفصلة بشكل مضلل عن الإسلام الشيعي السائد، حيث قال: “ديننا ليس مثل دينهم، وإسلامنا ليس مثل إسلامهم، والحسين الذي نمشي إليه ونحيي مواكبه غير الحسين الذي يعيشونه. فالحسين الذي ننتمي إليه هو الحسين بن علي بن فاطمة، والحسين الذي ينتمون إليه هو الحسين بن الشِمر، الحسين ابن آكلة الأكباد”. ووفقاً للتاريخ الشيعي، كان الشمر الزعيم الذي قطع رأس الإمام الحسين في العام 680 ميلادي، و”آكلة الكبد” هي هند، جدة الحاكم الذي يُفترض أنه أمر بقتل الحسين (وقد أُطلق عليها هذا اللقب لأنه يُزعم أنها اقتلعت كبد العم المقتول للرسول بعد معركة “أُحُد” في العام 625 ميلادي وأخذت قطعة من كبده وأكلتها). وبعبارة أخرى، ربط الياسري الميليشيات المدعومة من إيران بالأعداء القدامى للإسلام الشيعة -في رسالة قد تلحق ضرراً كبيراً بشرعيتهم الدينية بسبب صدورها عن شخص مقرّب من السيستاني.
الردع التدريجي للسيستاني ضد طهران
من خلال التعبير بطريقة حازمة عن المعتقدات الشيعية المتوافقة مع المفاهيم الحديثة للدولة القومية والسيادة، أضفت عظة الياسري طابعاً ملحاً على إيديولوجيا كان يروّج لها السيستاني منذ سنوات. وكما أعلن الممثل الرسمي للسيستاني، أحمد الصافي، في تصريح شهير له في كانون الثاني (يناير) 2020، “يجب أن يكون العراق سيد نفسه، يحكمه أبناؤه؛ ولا دور للغرباء في قراراته”. ويترافق النضال لفرض وجهة النظر هذه مع تداعيات سياسية وإيديولوجية -على الرغم من أنه ضمن القضية التي يحملها السيستاني، غالباً ما تبرز الزاوية الإيديولوجية إلى الواجهة لأنه مرجعية دينية تتوقف شرعيتها على صياغة قضايا مماثلة بعبارات تكتسي طابعاً دينياً إلى حدّ كبير.
ومن الطرق الأخرى التي أكّد من خلالها السيستاني مجدداً أهمية احترام السيادة القومية هي حثّ الشيعة على الاندماج في البلد الذي يدعونه الوطن، سواء كان العراق أو غيره. وكما أشار ممثله في لبنان حامد الخفاف في مقطع فيديو نُشر في أيلول (سبتمبر) 2015: “يؤمن السيستاني بضرورة اندماج الشيعة أينما وُجدوا في أوطانهم، ويترك لأهل الحل والعقد في كل بلد تدبير شؤونهم”، في إشارة ضمنية إلى المسؤولين في الدولة. وكانت المؤسسات الدينية التي يشرف عليها السيستاني قد نشرت رسائل مماثلة. ففي آذار (مارس) 2019، على سبيل المثال، نظّمت “مؤسسة ضريح الإمام الحسين” مؤتمراً بعنوان “مرتكزات الدولة المدنية في المنظور الإسلامي”، الذي ركزت أجندته على مناقشة الأنظمة السياسية العلمانية من منظار ديني.
وتتناقض وجهات النظر هذه تماماً مع الرؤية العالمية الشيعية الثورية التي يتبناها النظام الإيراني، حيث تضع إيديولوجيته المركزية “ولاية الفقيه” أحكام المرشد الأعلى علي خامنئي فوق قرارات أي مسؤول مدني منتخب سواء في إيران أو خارجها. ولهذا السبب تُعد السيطرة على النجف ومدارسها -أو على الأقل تهميشها- شرطاً أساسياً لأي هيمنة إيرانية على العراق. وبما أن السيستاني على قيد الحياة وبصحة جيدة، فإن هذا السيناريو غير مرجح للغاية. ومع ذلك فهو في الواحد والتسعين من عمره، وبناءً على تقاليد النجف، قد يستغرق تعيين خلف له فور وفاته أشهراً أو حتى أعواما. وبالتالي، قد تختار إيران ووكلاؤها تلك اللحظة إما لتعيين “مرجع” مفضل أو زرع ما يكفي من بذور الفوضى والاضطرابات في النجف لتشويه نفوذ المدينة.
ومن الناحية العملية، وصل هذا الخلاف إلى ذروته حول إدارة الميليشيات العراقية. فمنذ إنشائها في العام 2014، هيمنت الجماعات الموالية لإيران على قوات الحشد الشعبي التي تعامل “العتبات” المؤيدة للسيستاني بشكل سلبي. ومن خلال عدم التقيّد بتوجيهات هيئة الحشد الشعبي والتحالف مع الفصائل التي لم تخضع لطهران -وعلى وجه التحديد، السيستاني ومدرسة النجف والجيش الوطني- تسهم “العتبات” في درء أي خطط للوكلاء للاستيلاء على العراق بشكل تدريجي بالطريقة التي يهيمن بها “حزب الله” على لبنان. وخلال المرحلة المقبلة، بإمكان هذه الوحدات وغيرها من مؤيدي السيادة الوطنية العراقية (الياسري، على سبيل المثال) أن تلعب دوراً حاسماً في ضمان عملية انتقالية سلمية والحفاظ على النظام في النجف عندما يحين موعد تعيين “مرجع” جديد.
توصيات في مجال السياسة العامة
على واشنطن وجهات فاعلة دولية أخرى النأي بنفسها عندما تدور المناقشات الدينية بين الشيعة. ولكن بغض النظر عن مدى اعتبار الجهات الخارجية أن تدخلها محدود، إلا أن التدخل الخارجي يمكن أن يعرقل التطورات المحلية الواعدة. ومع ذلك، ما يزال بإمكان الشركاء اتخاذ تدابير غير مباشرة لتعزيز جهود أتباع السيستاني:
* دعم “العتبات” بشكل غير مباشر من خلال وزارة الدفاع. كما ذُكر أعلاه، ترتبط “العتبات” حالياً عملياتياً بالجيش العراقي بدلاً من هيئة الحشد الشعبي التي تهيمن عليها إيران (على سبيل المثال، تتابع أوامر الجيش وتسهم أحياناً في العمليات المشتركة). وبناءً على ذلك، يجدر بالمجتمع الدولي تشجيع الحكومة وقوات الأمن العراقية على تعزيز علاقاتها مع “العتبات” ومساعدتها على زيادة قدراتها العملياتية.
* إعادة العمل بنطاق الموقع الإلكتروني لـ”قناة كربلاء” التلفزيونية. في حزيران (يونيو)، استولت وزارة العدل الأميركية على 33 نطاق موقع إلكتروني تديره قنوات إعلامية مرتبطة بـ”اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية” الإيرانية. وكانت “قناة كربلاء” التلفزيونية من بين المنافذ الإعلامية المستهدفة، وهي قناة مملوكة لـ”مؤسسة ضريح الإمام الحسين” وتابعة للسيستاني. وكانت هذه خطوة غير ضرورية بحق مَنْفذ لم يعرب عن أي عداء تجاه الولايات المتحدة.
* متابعة سياسة النجف عن كثب. إضافة إلى تجنّب التدابير الشاملة التي تخلق احتكاكات غير ضرورية مع النجف، على إدارة بايدن أن تصبح أكثر دراية بالفصائل المرتبطة بالسيستاني. وعلى أقل تقدير، يمكن لمتابعة التطورات الدينية والسياسية الشيعية المحلية مساعدة واشنطن على تجنّب الصراعات غير المقصودة مع العناصر التي تشاركها هدفها المتمثل في إبقاء السلطة في يد العراقيين للحفاظ على عراق مستقر ومتمتع بالسيادة.

*زميل مشارك في معهد واشنطن، ومساهم في سلسلته “الأضواء الكاشفة للميليشيات”، ومؤلف مشارك لدراسته للعام 2020 بعنوان “التكريم من دون الاحتواء: مستقبل الحشد الشعبي في العراق”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock