أفكار ومواقف

السيسي وجنون السلطة

عبرت الصحافة العالمية، بعد مجازر “النهضة” و”رابعة العدوية”، عن صدمة في عناوينها وافتتاحياتها؛ فما حدث فاق أكثر التوقعات سوداوية وتشاؤما. ولعل صحيفة “الإندبندنت” البريطانية لخصت المشهد بعنوانها الرئيس “العار”. في المقابل، كان البرنامج الصباحي في التلفزيون المصري يدعو إلى سحب قلادة النيل من محمد البرادعي، لأنه استقال احتجاجا على المجزرة.
يخضع الإعلام المصري، الرسمي منه والخاص، لسلطة الدولة العميقة. وهو في هجومه على البرادعي يدافع عن الحاكم المطلق عبدالفتاح السيسي، والذي أثبت من أيامه الأولى دموية ووحشية لم يعهدها أعتى الطغاة في مصر. واستقالة البرادعي شكلت ضربة قوية لطموحات السيسي، وتركته مكشوفا أمام الرأي العام الدولي والمحلي، باعتباره اختار العنف سبيلا على الرغم من وجود فرص لحل سياسي.
أكثر من ذلك، فإن مبرر انقلاب السيسي هو “ثورة 30 يونيو” التي اختارت البرادعي ممثلا لها يوم الانقلاب. واليوم، فإن العسكر يحتكرون السلطة بلا تمثيل ديكوري للثورة المفتعلة أو الحقيقية. يبدو المشهد عاريا تماما بلا البرادعي الذي شكل ورقة التوت للعسكر أو المحلل للانقلاب. الحكومة يقودها عسكريون وضباط أمن دولة؛ أمين عام مجلس الوزراء لواء عسكري، وكذلك أمين عام رئاسة الجمهورية، ومحافظون. عسكرة بالمعنى الحرفي، وكأن البلاد تحت احتلال.
بعد كل هذه العسكرة، وتعطيل الدستور من قبل، وكل هذه المجازر، تعلن بشكل عبثي حالة الطوارئ، وكأن من أحرق الجثث ومسجد رابعة العدوية أمام الكاميرات، وأطلق الرصاص الحي، يحتاج إلى قانون طوارئ. لكنه جنون السلطة الذي لا يعرف حدودا. وفي النهاية، يكرر السيسي نموذج بشار الأسد إلى النهاية.
قام السيسي بانقلابه من أجل حقن دماء المصريين، مع أن مرسي لم يرق قطرة دم، وظل إلى آخر يوم قبل الانقلاب مدافعا عن حق مخالفيه بالاعتصام والتظاهر، مع أنهم كانوا يلقون القنابل الحارقة على قصر الاتحادية. في أقل من شهرين، قُتل زهاء ثلاثة آلاف مدني أعزل، ما يثبت عمليا أن الهدف الحقيقي لم يكن حقن الدماء التي لم تسل أصلا.
باختصار، جنون السلطة دفع السيسي للانقلاب. وهو اليوم مستمتع بإدارة البلاد من خلال مجلس حرب من المحافظين العسكريين. ودور الواجهات المدنية في السلطة لا يتعدى التحضير، وتهيئة الأجواء لمجازره، ومن ثمّ تبريرها وإعطاؤها غطاء سياسيا. لا توجد جهة تحاسب السيسي، ولا يوجد ما يثبت أنه من يصدر الأوامر بالقتل؛ في الواجهة حكومة ووزير داخلية لا يتورع عن تكرار أن شرطته لم يسبق لها أن أطلقت الرصاص على المصريين، ومعه حق، لأن المحاكم برأت كل قتلة الثوار في كانون الثاني (يناير) 2011، وهي مقدما تبرئهم من قتل المزيد.
لقد اكتوت البشرية بنار مجانين السلطة، وكان يُعتقد أن العالم العربي تخلص منهم في الربيع العربي. لكن السيسي يثبت أن هذا الجنون يحتاج وقتا أطول للتخلص منه. وهذا الجنون لا يتلخص في جنرال فاشل، بل في تيار سلطوي عريض، يرفض أي شكل من أشكال تداول السلطة أو الشراكة فيها.
لا تدقق في شيطنة محمد مرسي والإخوان والتعذيب والأسلحة النووية في “رابعة العدوية”؛ دقق في شيطنة البرادعي في الإعلام المصري. لو كان من يعتصم في رابعة شيوعيين أو ليبراليين، فسيلقون المصير ذاته، لأنهم هددوا سلطة الجنرال. اليوم يدفع الإسلاميون الكلفة التاريخية للتخلص من نظام عسكري يحكم مصر منذ أكثر من ستين عاما.

[email protected]

تعليق واحد

  1. السيسي وجنون السلطة
    اخطأت العنوان الاخوان وجنون السلطة هم وجنون السلطة وأطماعهم وجوعهم للكرسي مع انني ضد ما جري ولا ادافع عن العسكر

  2. حلقة من حلقات مسلسل الفوضى الخلاقة.
    إن ما حدث وما زال يحدث في كل من مصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن والبحرين ليس سوى انعكاس صادق وحقيقي وواقعي وتطبيق لسياسة الفوضى الخلاقة من قبل واشنطن والعدو الصهيوني وبعض الأنظمة الفاسدة في المنطقة العربية من خلال تسخير المليارات من خيرات الشعوب العربية لخدمة هذا الهدف القذر …. حيث أن إعادة حكم الفلول في مصر يهدف إلى استمرار حصار وعزل المقاومة في قطاع غزة ، وإشغال ما يسمى حزب الله في دوره المرسوم في كل من سوريا والعراق واليمن والبحرين ، من اجل تقسيم المنطقة إلى دويلات….. وفي محاولة جادة لتصفية القضية الفلسطينية من خلال لهث عباس وراء استمرار المفاوضات العبثية ، واستكمال لدور اتفاقيات اوسلو ، من اجل توقيع صك التنازل عن كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 وعام 1967 للعدو الصهيوني ، ولخدمة مصالح وسياسات واشنطن والعدو الصهيوني وبعض الأنظمة الفاسدة في المنطقة العربية.

  3. هل من الممكن؟
    هل من الممكن ان تكون استقالة البرادعي "بوب" استكمالا للعزل السياسي الغربي للسيسي ومقدمة لاتهام السيسي بجرائم ضد الانسانية؟ …..هل من الممكن ان يهدف "بوب" الى تجميل صورته امام كافة اطياف الشعب المصري للاعداد للمرحلة المقبلة؟ ……هل من الممكن ان يتفق الشعب المصري ان "بوب" هو من يمسك العصا من المنتصف بين الاخوان والليبيراليين؟ … "بوب" هو الاكثر انخراطا في السياسة الدولية من بين جميع ساسة مصر الحاليين (باستثناء مبارك!!) …. من خلال مواقفه وتصريحاته المتضاربة، "بوب" اثبت انه مختص بركوب الموج بدل من الغطس في غياهب النزاع، تماما كما تعمل القوى الغربية … فهل سيصبح "بوب" هو المرشح الاقوى في انتخابات رئاسية قادمة؟

  4. مرة جديدة
    لا يزال الكاتب يصر على تبيض صفحة الإخوان مستخدما الغاية تبرر الوسيلة ، نتمنى أن نسمع منه نقدا بناء لتجربة الإخوان

  5. ضد العنف
    الجميع يطمح للسلطة اﻻخوان والعسكر ايضا. نرى عنف اﻻخوان اﻻن واضحا و جليا في العنف ضد الكنائس و المسيحيين، الذي لم يتطرق اليه الكاتب ويتجاهله الغرب ايضا. اين السلميه. شهوة السلطة اعمت الجميع.

  6. غضب الله
    ان غضب الله ولعنته ستلاحق كل من شارك في سفك الدماء سواء من العسكر أو من قادة الاخوان وأتباعهم، فالعسكر سفكوا الدماء باسم الديمقراطية والقضاء على ما يسمونه الارهاب والاخوان سعوا في الفتنه وأذكوها ليبقوا في الحكم تحت مسمى التمسك بالشرعية وما بين هؤلاء وهؤلاء أزهقت أرواح الأبرياء من المغرر بهم والذين يظنون أنهم يحسنون صنعا، الأخوان يتمسكون بشرعية الصناديق التي لا يعترف بها الله ولا دينه ولا الراسخون في العلم لأن التمكين في الأرض خص الله به عباده المتقين المؤمنين الذين يعملون الصالحات وليس بخاف على كل ذي لب وبصيرة أن هذه الصفات لا تنطبق على من يسمون أنفسهم بالاخوان المسلمين (نقصد الحزب هنا) الذين تركوا أوامر الله ورسوله واتبعوا تعاليم معلمهم وسيدهم وقائدهم حسن البنا وحكومة الظل (الخفية)التي تسيرهم بالريموت كنترول.

  7. أيها القتلة السكارى بالدم..ارحموا انسانيتنا الجريحة..
    أيها القتلة السكارى بالدم..ارحموا انسانيتنا …أرجوكم..لم يعد في القلب متسع ليفجع أكثر..ماذا تظنوننا لنحتمل هذا الكم من الوحشية المجنونة بلون الدم والمغلفة برائحة الغدر..من سوريا الى مصر يتوحد المشهد بشكل مخيف..في الحقيقة من اكثر ما يؤلمني الان صور ميدان رابعة يوم العيد وهو يعج بالحياة والفرح والزينة والبشر..أين ذهبوا الان بل كيف ذهبوا؟؟؟!!!!!!!!!!

  8. الإخوان وجنون السلطة
    لقد أخذ الإخوان فرصة جيدة في السلطة ولكنهم اضاعوها. والآن يريدون عبر العنف وحرق الممتلكات الشعبية الرجوع للسلطة في الوقت الضائع مع انه يجب عدم السماح بقيام أحزاب على أساس ديني!!

  9. السيسي وبشاروالمالكي
    بشار والسيسي والمالكي ثلاثة وجوه لعملة واحدة وثلاثة طغاة لم يسبق لهم مثيل في الوطن العربي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock