حياتنافنون

السينما.. روايات تحاكي واقع تحديات ذوي الإعاقة الحياتية

إسراء الردايدة

عمان- قدمت السينما معالجات متنوعة لشخصية ذوي الإعاقة عبر الشاشة، تراوحت بين التشويه، أو نقل صورتهم كـ”مكافحين”، أما الغالبية فكانت من “المهمشين” و”المنبوذين” في المجتمع، بحيث أظهرتهم كفئة اجتماعية غير مرغوب بها، ولفترات طويلة.
الفكرة هنا لا تتعلق بمنح ذوي الإعاقة مزايا، ولكن الطريقة التي قدمت بها الشخصيات “النبذ، قصص النجاح، أوجه التشابه بين المحرومين ومسؤولية المجتمع نحوهم، شعورهم بالإقصاء..”، جميعها عوامل غيبت التفاوت المادي، وظهر بأنه أمر غير جوهري. فالسينما تعالج الشخصيات التي تعاني من إعاقة بأساليب متعددة، بعيدا عن إظهار الشفقة، بالكوميديا تارة، والإنجاز تارة أخرى، عبر أفلام تعكس المواقف الاجتماعية ببساطة، وإن خطت خطوات بطيئة منذ ستينيات القرن الماضي بعد أن كانت تظهرهم بشكل انطوائي.
وفي السينما كانت شخصية ذي الإعاقة، ثرية بتأويلاتها ورمزيتها، ما جعلها قيمة فنية مكملة للعمل بأكمله، وإن لم تتم معاملته في كثير من الأحيان على هذا النحو، وانتقصت من حقوقه لتخرج من سلسلة القوالب النمطية الثابتة التي أبرزته كطفرة، كما في أفلام الرعب، أو الغريب، ووضعته في مواقف مشوهة.
فمنذ عروض السينما الصامتة وحتى هذه اللحظة، والسينما تعرض ذوي الإعاقة على أنهم موضوع للسخرية، أو مثيرون للشفقة، ونادرا ما تجرأ أحد في خوض تجربة إنتاج فيلم كوميدي أو تراجيدي هادف متوازن.
لا يبحث ذوو الإعاقة عمن ينقل شخصياتهم بأنها خارقة، بل أي عمل يضعهم ضمن فئة الناس العاديين بدون خلق حساسية أو نظرة شفقة أو تعامل خاص، أي لا يبحثون عن التمييز، ويحتاجون كغيرهم للحب والصداقة وحق المعيشة.
وغالبا ما قدمت الأفلام ذا الإعاقة بأنه شخص غير طبيعي نفسيا أو جسديا، يعاني من تلف في عضو بجسده، وتركز على ردة فعله إزاء إعاقته من خلال محاولة تجاوزها أو البحث عن علاج، الى جانب كونه عرضة للشفقة وله دور سلبي.
ولكن هذا غير صحيح؛ فالسينما لها رسالة إنسانية، وفي هوليوود تغيرت النظرة كما في السينما الأوروبية ما بعد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فبات ذو الإعاقة صاحب حق وقضية، مقبولا في المجتمع، وعليه حصدت أعمال عديدة جوائز عالمية.
وقدمت السينما العربية نماذج مختلفة لذوي الإعاقة، فكانت ليلى مراد بدور الكفيفة في “ليلى في الظلام” العام 1944، ولعبت فاتن حمامة دور فاقدة البصر في “اليتمتين”، و”العمياء” لسميرة أحمد، و”جسر الخالدين” لشكري سرحان وسميرة أحمد اللذين يصابان بالعمى.
وفي فيلم “رصيف نمرة 5” لفريد شوقي وهدى سلطان وزكي رستم، كانت المرأة “البكماء” مفتاح حل اللغز والكشف عن زعيم العصابة، لكن كانت هناك جوانب إنسانية في حياتها تتطلب التركيز عليها، وفيلم “الخرساء” لسميرة أحمد التي تعد من أكثر الفنانات تجسيدا لأدوار ذوي الإعاقة.
ومن الأفلام التي تناولت هذا النوع؛ “الصرخة” لنور الشريف ومعالي زايد، وتم الاستعانة فيه بمجموعة من الصم والبكم، كما تناولت بعض الأفلام مبكراً “الإعاقة الذهنية”، ومنها دور محمد توفيق في “حسن ونعيمة” لمحرم فؤاد وسعاد حسني، فيما قدمت أنواع مختلفة من الإعاقات التي جسدها يوسف شاهين في فيلم “باب الحديد”، وأحمد زكي في “مستر كاراتيه” وهي أيضا غفلت عن الكثير من النواحي النفسية والإنسانية.
واختلفت الطريقة التي طرحت بها شخصية ذوي الإعاقة على الشاشة ولعبها ممثلون على غرار أحمد زكي في دور طه حسين “الكفيف” بمسلسل “الأيام”، وقدم محمود ياسين الشخصية ذاتها في “قاهر الظلام”، ومحمد صبحي قدم “سطوحي” المصاب في عقله بمسرحية “انتهى الدرس يا غبي”، ويحيى الفخراني في شخصية شاب ذي إعاقة ذهنية بفيلم “مبروك وبلبل” الذي أخرجته ساندرا نشأت.
وجسد خالد صالح في فيلم “الحرامي والعبيط” مع خالد الصاوي، شخصية الشاب “فتحي” ذي الإعاقة الذهنية، والذي يفقد عقله بسبب ظروف الحياة القاسية، وهو ما تكرر مع نبيلة عبيد في “توت توت”؛ حيث أجادت تجسيد شخصية الفتاة المعاقة ذهنياً “كريمة” التي يستغلها الناس ويعهدون إليها بالأعمال الشاقة.
وكان لدوريوسن شلبي في دور عوض صاحب الإعاقة الذهنية حضور قوي في فيلم “الفرن”، وحسين رياض في “الأسطى حسن” بشخصية المصاب بالشلل الذي يتعاطف معه المشاهد لأنه تعرض لخيانة زوجته، مع الممثل فريد شوقي وإخراج صلاح أبوسيف، قدم أيضا شخصية الرجل “الأخرس” الذي تعرض لصدمه أثناء ذهابه لخطبة ابنة البرنس لابنه في “رد قلبي”، وجسد محمود ياسين شخصية المهندس الذي فقد حاسة النطق بعد تعرض صديقه لحادث أليم في فيلم “الآخر”.
فيما أفرد الممثل الراحل محمود عبد العزيز مساحة كبيرة من أدواره لذوي الإعاقة، فقد لعب دور شخصية الكفيف المحب للحياة بكل صعوباتها “الشيخ حسني” في فيلم “الكيت كات” لمخرجه داوود عبد السيد والتي قدمت رؤية حقيقية لما يعايشه المكفوفون الذين تمردوا على واقعهم، وجرأته في قيادة الدراجة، واشتهر بجملته لابنه “أنا بشوف أحسن منك في النور والضلمة”، أو عندما ارتدى ثوب المرشد البصير وهو يقود صديقه الكفيف إلى السينما ويصف له أحداث الفيلم بدقة معتمدا على خياله دون نظره، ليصبح “محمود عبد العزيز” هو الكفيف المحب للحياة بكل مصاعبها. وفي “وكالة البلح” كان عبد العزيز ذا إعاقة ذهنية، بشخصية “عبدون” الواقع بحب “نعمات” التي لعبت دورها نادية الجندي، وكان يحميها من كل خطر، لكن انتهى به المطاف بقتلها بالخطأ وهو يدافع عنها في المشهد الأخير من الفيلم، ليبكيها في مشهد الوداع بكل ألم.
ولم يكتفِ عبد العزيز بتلك الأدوار، بل كان الطبيب المجنون “عادل” الذي فقد صوابه في فيلم “العار”، وجن بدوره في فيلم “جري الوحوش” نتيجة استئصال جزء من عقله الى جانب حسين فهمي ونور الشريف.
ولا يمكن حصر الأفلام التي تلعب دورا في توعية الطفل والمحيط والأسرة بحقوق ذوي الإعاقة وطبيعتهم وتقديم نماذج متعددة لأنواع الإعاقات، وكيف يتم التعامل والتعايش معها، وما هي التحديات التي يمرون بها؛ ففي الفيلم الهندي “Taare Zameen”، أو “نجوم على الأرض” للطفل ايشان (9 أعوام) الذي يعاني من صعوبات التعلم، ما يجعل الجميع ينعته بالغبي والفاشل خاصة والده، لأنه يخطئ بالكتابة ولا يستطيع التركيز، لكن أستاذه في المدرسة يساعده على تخطي هذا.
وقدم فيلم “Wonder” الجديد ما يمر به الأطفال المختلفون سواء من يعانون من إعاقة أو مشاكل في التعلم، ويقدم فيلم “The Miracle Worker” أول عمياء ومن الصم والبكم تحصل على درجة البكالوريوس، الفيلم من إنتاج العام 1962، ويقدم فيلم “My Left Foot” سيرة ذاتية للفنان كريستي براون الذي عانى من إعاقة عقلية وبرع في الرسم، فيما ينقل “Inside I’m Dancing” ما يعايشه المصابون بالشلل الدماغي من خلال علاقة صديقين يتمردان على وضعهما ويخططان للعيش باستقلالية.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
47 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock