ثقافة

الشاعر والمشترك الإنساني.. بحث عن التأثير أم عن عالمية مزيفة؟

مراكش – تتسارع التغيرات في القيم الإنسانية زمن العولمة، وتنزع تصرفات الإنسان أكثر فأكثر إلى تحطيم تلك القيم، في وقت يبحث فيه الشعر الآن عن المشترك الإنساني المحدث للأثر المقاوم لتلك التغيرات.
إن مواضيع مثل السلم والحب ونبذ الكراهية وغيرها تعد إنسانية تناولها الشعراء منذ فجر الإنسانية، بيد أن التساؤل الذي بات ملحا هو هل تلك المواضيع كافية لجعل الشعر يستجيب لما نبحث عنه في العمق؟ أم قد يصير الأمر استجداءً من الشاعر للاهتمام بكتابته خاصة عن طريق المراهنة على الترجمة إلى لغات أجنبية بحثا عن عالمية مزيفة؟
نزعة كونية
يقول الشاعر والناقد عبد الحق ميفراني إن الشعر مدرسة الحياة، وهو القادر على تجسير الهوة بين الكثير من مفارقات العالم، وإعطاء إنسانية الإنسان المكانة الراقية والأسمى، فمنذ هوميروس إلى اليوم سيظل الشعر الجنس التعبيري الأرقى على احتواء كل كينونات الإنسان، على اختلافها.
كما أن الشعر يمجد القيم الإنسانية ويواجه الآني والسريع والمبتذل، وهي تحديات أساسية لن يواجهها الشعراء اليوم إلا بمزيد عمق وترسيخ قيم وكشف تناقضات عالَم معولَم، وهو سيظل آخر قلاع الحرية كما كان، وستمكث له قدراته التوقعية بالمستقبل، كما يؤكد الأكاديمي عبد الفتاح شهيد.
في حين يقول الشاعر والناقد عبد اللطيف السخيري، إن الشعر نزوع كوني بلا منازع، ولعل مركزية اللغة في حياة الإنسان كافية وحدها لجعله يعيش بطريقة شعرية في الوجود من خلال الموجود، كما يؤكد الشاعر الألماني الكبير فردريش هولدرلين.
صوت ومعرفة
ويقول الناقد خالد بلقاسم، في هذا الصدد، إن الحدس والموهبة غير كافيين لإنتاج شعر مؤثر، إذا لم يتزود بالمعرفة خاصة ما تعلق بسيرورة الشعر ذاته وتحولاته التاريخية.
وفي المقابل، يرى الناقد حسن المودن، في حديثه، أن هناك جناحا ثانيا يعتبر الشعر صوتا فقط، ليس بمعناه اللساني البسيط، ولكن تلك الصرخة التي أطلقها الإنسان مند بدايته في هذا الكون، وما يزال يطلقها إلى اليوم، وهي نابعة من روحه من أجل التعبير عن كينونته الفياضة في بعدها الإنساني.
ويبرز ميفراني أن صوت الشاعر ظل دوما صوت هذا المشترك الإنساني الذي يوحدنا جميعا، ويجعلنا أقرب للإنصات لكينونة الإنسان.
استئناف شعري
يحتاج الشعر الآن إلى شاعر يعانق الأفق الإنساني، ويمارس ذلك “الاستئناف الشعري” بما يعنيه ذلك من سيرورة في الشعر والبحث عن المنفلت المستشرف للمستقبل في الكتابة وإعادة الكتابة، كما يشرح خالد بلقاسم.
وفي هذا الإطار، يشير السخيري إلى أن تجربة درويش مارست ذلك العناق، ورسخت معاناة الذات والجماعة (الإنسان الفلسطيني) في المشترك الإنساني من خلال الجمع بين التشابهات (تجربة العرب في الأندلس، وإبادة الهنود الحمر، وحاجة الطرواديين إلى شاعر يخلد هزيمتهم في سموها الإنساني…) وبين الاختلاف الذي يجعل الفلسطيني مترسخا في الوطن من خلال اللغة والبعد التراجيدي.
ويبرز أن “الاستئناف الشعري” الذي تشهد عليه دواوينه في اختياراتها اللغوية والجمالية التي لا ينفصل فيها شكل القصيدة عن مضمونها في رسم معالم الحداثة الشعرية.
أثر الشعر
يدرك الشاعر أن للشعر أثرا آنيا في أبعاده التربوي والفني والجمالي، لكن في الجانب الفلسفي وتأثيره على القضايا الكبرى هو تأثير بطيء، وقد يحتاج في لحظة معينة إلى من يستوعبه ليحوّله إلى فعل عميق في التاريخ يتناغم ومستقبل الإنسانية.
لذا يقول بلقاسم إن الكتابة الشعرية الواعية هي كتابة متأنية، وأثر الشعر مرتبط بالقراءة وبالانتساب إلى الديمومة التي تشغل بال الشاعر. فلا بد أن نعثر على ذلك الدائم المستمر، فامرؤ القيس هو واحد منا ليس بالإرادة ولكن قراءة عميقة تستطيع أن تجعل من “قفا نبك..” سارية فينا إلى اليوم.
كما أن الشاعر محمود درويش أسس تجربة شعرية وفية لجوهرها، ومنصتة لنبض القصيدة وهي تقتات من ذات الشاعر ليس بحثا عن الخلود، ولكن -كما يقول بلقاسم- من أجل جعلها منفتحة على القراءة وديمومتها، ممثلة في قارئ يستضيفها مستمعا لنداءات الشاعر فيها، كي تحيى حياةً متجددةً تنمي ما تزخر به من مشتركٍ إنساني.
وعي جمالي
كل ذلك لا يعفينا من أن نتساءل: هل يبحث الشعر عن المشترك الإنساني أم عن المختلف الذي يؤكد تنوع آفاق النظر إلى ذلك المشترك، فيؤكده عليه بوصفه حقا في الاختلاف؟
لن يغير من الحقيقة في شيء القول إن النزوع إلى الكونية قد يتخذ مظهرا طوباويا يُبعد الشاعر عن ذاته وعن خصوصية سياقه الثقافي والاجتماعي، يقول السخيري.
ويؤكد أن جل التجارب الشعرية ذات الصيت الإنساني الذي يتجاوز التاريخ والانتماء الجغرافي والثقافي، تؤكد أن الانطلاق إلى الإنساني لا يكون إلا بالغوص فيما هو خاص بالذات وبثقافتها. – (الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock