تحليل إخباري

الشباب وديناصورات العمل العام

الدكتور سيف زياد الجنيدي

أحيا العالم قبل عدة أيام اليوم الدولي للشباب، وهو يوم -الثاني عشر من شهر آب من كل عام- اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة عالمية للاحتفال بالشباب، وإسماع أصواتهم، وتسليط الضوء على أعمالهم ومُبادراتهم الهادفة وتعميمها، بالإضافة إلى الاعتراف بأهمية مشاركة الشباب في إدارة الشأن العام.
حظي الشباب الأردني باهتمام ملكي لافت، فلا يكاد يخلو خطاب أو لقاء ملكي أو تكليف بتشكيل حكومي من التوجيه بضرورة إيلاء الشباب عناية خاصة، حتى بلغ الأمر إلى الإشارة الصريحة لجلالة الملك أن الاهتمام بجيل الشباب هو أحد الأسباب الرئيسة للتكليف الملكي لدولة الدكتور عمر الرزاز بتشكيل الحكومة، جاء في كتاب التكليف الملكي التالي :»لقد عرفتك رجلا وطنيا قريبا من الشعب والشباب خاصة».
لم يتوقف الاهتمام الملكي بجيل الشباب عند هذا الحد، وإنما اختزل جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة الطريق إلى تحقيق سيادة القانون ودولة الحق بعناصر أساسية أبرزها «نظرة شمولية لموضوع الشباب، ووضع استراتيجية هادفة وحقيقية تتضمن برامج متطورة يجمع عليها أصحاب الخبرة والمؤسسات الفاعلة في هذا المجال لترسيخ مبادئ المواطنة ودولة القانون وحب الوطن، وتمكين الشباب سياسيا واقتصاديا لتحقيق إمكاناته وتطوير وتوسعة أفقه، بالإضافة إلى توفير المنعة له من الأفكار الظلامية المُنحرفة».
حال القطاع العام اليوم عموما ليس بأفضل أحواله، وفق دراسة أجراها ديوان الخدمة المدنية، والتي حظيت بتغطية إعلامية لافتة من وكالة الأنباء الأردنية «بترا» بتاريخ 10 آب الحالي. خلصت الدراسة إلى أن المُعدل العام لعدد ساعات عمل موظفي القطاع العام يتراوح بين ثلاث ساعات ونصف الساعة إلى أربع ساعات من أصل سبع ساعات، ما يُشكل عبئا ماليا هائلا على الدولة، وانحدارا في انتاجية القطاع العام وقدرته على النهوض بأدواره الوطنية.
تشكل هذه الدراسة الحكومية دعوة جادة للحكومة ذاتها والتنظيمات الاجتماعية بما فيها مراكز البحث والدراسات بضرورة البحث المُعمق في أسباب هذه الظواهر وقبولها اجتماعيا واجتثاث أسبابها، والتي ترد في الغالب إلى أسباب متراكمة ومختلطة ترتبط باقتصار مفهوم المواطنية على التذمر والمُناكفة بحجة ذرائع حقوقية محورة، وربما يكون العامل الرئيس لهذا طغيان الجهوية والمناطقية والزبائنية على حساب معيار الكفاءة والنزاهة، وغياب المسؤولية الفاعلة، وشخصنة العمل العام.
أما حال غالبية الشباب في القطاع العام، فيجد الشباب المُنخرط في العمل العام نفسه اليوم أمام تحديات متراكمة نابعة من سبب جامع أوحد، هو تغييب المصلحة العامة وغياب مفهوم الشأن العام، وإن اتخذت هذه التحديات أنماطا متنوعة؛ ضغوطات للانخراط في تكتلات بشرية زبائنية لصون بقائه، قالب الاستحواذ الإداري التقليدي، تنميط منهج العمل العام وتقوقعه، مُجابهة الإبداع الخلاق، نهم المُسمى والمنصب بحجة الأقدمية تحت ذريعة العدالة، التنمر واصطناع حالات التأزيم لمُحاولة شرعنة مراكز وظيفية قائمة بالتدليس والخِداع، وكأن لسان حال ديناصورات العمل العام تقول :»إما نحن أو الفوضى»!
بين كل هذا وذاك يجد الشباب نفسه أمام ما حذر منه جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة «تقويض أسس العمل العام»، والذي أكد جلالته على أن مجابهة مثل هذه الأنماط الدخيلة هو واجب وطني «ولا يمكن أن نجعل من هذه الممارسات وسيلة نحبط بها الشباب المُتميز والكفؤ، أو نزرع فيه قناعة بأن مستقبله، منذ إنهائه لدراسته الثانوية وخلال دراسته الجامعية وحتى انخراطه بسوق العمل، مرتبط بقدرته على توظيف الواسطة والمحسوبية لتحقيق طموحه».

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock