أفكار ومواقف

الشتائم

في التاريخ العربي القديم والمعاصر، نماذج مخجلة من الشتائم السياسية التي تفوق ما نسميه اليوم “خطاب الكراهية”؛ منها ما وصلنا عبر كتب تراثية عن مغالاة في تبادل الكراهية السياسية بين أنصار العباسيين والأمويين، وفيما بعد بين الفرق المتنافسة في المشرق والأندلس، علاوة على خطاب السنة والشيعة. أما قاموس الشتائم السياسية الحديث بين الأنظمة العربية، فقد أدارته في النصف الثاني من القرن العشرين، الإذاعات بامتياز. ومراجعة ذاكرة الإذاعات العربية، تضعنا أمام ميراث مخجل ومعيب من لغة الكراهية والإكراه.
ما يحدث اليوم أقسى من الماضي البعيد، وأكثر إيلاما من الماضي القريب، لسبب بسيط، وهو أن خطاب الشتائم المعاصر توفرت له أدوات الانتشار والوصول إلى عامة الناس مباشرة وبيسر، وأصبح ينتقل إلى العامة التي تتمثله وتنقسم حوله وتساهم فيه، بعدما كان في السابق مجرد جزء من تقاليد النخب السياسية الهشة. إذ نلاحظ كيف انتقلت الخطابات التحقيرية للنخب السياسية في العالم العربي إلى الشارع، وأصبح الناس شركاء فيها؛ كما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، وشاشات الفضائيات، ومنابر المساجد.
في كل مكان، ومع كل أزمة، نجد شتّامين يفسدون المعنى السياسي للخلاف. خذ على سبيل المثال ما يحدث في مصر، وما يصاحبه من حالة استقطاب سياسي حاد تنهل من قاموس عدائي وشتائم مفرطة في المغالاة، يمارسه الطرفان بلغة دنيئة ومدانة بكل الاعتبارات، أصبحت، للأسف، لغة الشارع في أحيان كثيرة.
هذا الخطاب يتكرر وبقسوة من نوع آخر على الساحة اللبنانية. وقد لا حظنا خلال الأسابيع الماضية كيف تبادل فريقا الخصام السياسي أسوأ أشكال ومضامين الشتائم السياسية والشخصية التي نالت الأفراد والعائلات والتواريخ الخاصة. وهذا يتكرر بدوره على الساحتين العراقية والسورية بدون هوادة.
في اللحظات المبكرة من الانفتاح الاعلامي، عندما تغيب الحدود بين الاحتراف والهواية، يصبح خطاب الكراهية وسيلة لجذب الجمهور إلى هذه الوسائل، ما قد يجعل بعضها ينجر إلى هذا الخطاب، وأحيانا البحث عنه! وهذا ما يحدث لبعض وسائل الإعلام. لكن ما يحدث اليوم، وهو الأخطر، فيتمثل في تسلل هذا الخطاب إلى عامة الناس؛ إذ ثمة عمل شبه ممنهج يهدف إلى توريط القواعد الاجتماعية في هذه العدائية، وتوسيع قاعدة الاستقطاب والانقسام.
ثمة جريمة كبيرة تحدث هذه الأيام، لا تقل آثارها عن حروب وهزائم اليأس التي ضربت العمق العربي على مدى عقود. إنها هزيمة أخرى تضرب المورد الاجتماعي للناس؛ تنقل الكراهية والعداء إلى العمق. فقد تعودت النخب السياسية على العراك وتبادل الشتائم، ثم تتصالح بكل سهولة، وبين ليلة وضحاها تنسى وتنام في فراش واحد. لكن، كيف تنسى المجتمعات التي تتبادل اليوم الشتائم والعداء، فيما تتراكم الرداءة وفقدان الثقة في كل مكان؟!

[email protected]

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الشتائم المتبادلة ليست في قواميس العرب بل في قواميس أخرى أيضا؟
    الشتائم المتبادلة بين الاطراف السياسية والاجتماعية ليست موجودة فقط في ديار العرب، بل أنها شتائم موجودة في كل المجتمعات الانسانية. وكمثال لتاريخ قريب، فإن جورج بوش الاب عندما ترشح لرئاسة أمريكا قبل حوالي 30 سنة، وصف خصومه ومؤيديهم بأنهم"ليسوا أفضل من كلبي ميلي"! يعني أن كلبه ميلي يعتبر في نظره أكثر فهما من خصومه.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock