أفكار ومواقف

الشجاعيّة

تخبرني السيدة من “الشُجاعية”: “نحن لا نقل عن مائة شخص في بيت من ثلاث طبقات”. وتقول: “رائحة الموت في كل مكان”. أسالها: ماذا تقصدين برائحة الموت؟ تقول: “الموت.. الموت في كل مكان”. أسألها: ماذا يفعل الأطفال؟ لا تجيب، تُعيد الحديث عن الموت، وتضيف: “دكتور أحمد.. العالم صامت والكل تجّار”. أكرر السؤال عن الأطفال، وأنا أشعر بعجزي عن الحديث وبسخافة كل سؤال. تجيب: “عايشين بخوف، وما في نوم. وجميعهم يقول (رح نموت)، وصراخ مع كل صاروخ”. وتكمل: “غزة كلها تقصف، حتى الإسعاف”. تغيب للحظات وتعود: “يا إلهي نحن نموت، شو نسوي، إحنا في البيوت”. أسألها أكثر من مرة: ماذا يمكن أن نفعل؟ وتجيب بالصمت، أو بإجابات مختلفة لا يوجد فيها شيء محدد، سوى أنّها تريد الضغط على الكل لوقف المذبحة.
لا يوجد في “جباليا” و”الشجاعية” وغيرهما ملاجئ، حتى في بيروت 1982 كانت هناك ملاجئ. السيدة التي خبرت وعائلتها الموت في أكثر من بلد عربي، تقول: “تصوّر أكثر من بيروت”! تختلط كلماتها: “صوت المجازر في كل مكان.. طائرات”. أسأل ثانية: ماذا تقصدين بصوت المجازر؟ تجيب: “أقصد صور المجازر”. 
أذهب لبيت عزاء في رام الله، لشُهداء عائلة في غزة. ونتصل بوالد شهيدين، لا يكاد يجيب. أهالي غزة المقيمون هنا منذ سنوات، ولأن أرقامهم الهاتفية الخلوية سُجِّلَت أصلا في غزة بعناوين هناك، تصلهم رسائل هاتفية من الاحتلال: “عليكم إخلاء البيت سيتم قصفه الآن”. أحدُهُم لا يستوعب ما يحدث، يتصل بآخر، ويخبره بالرسالة، ويدرك الثاني مسألة “الرقم” فيخبره.
ما يحدث يفوق بشاعة ما حدث في صبرا وشاتيلا وبيروت.
الناس في غزة، ومن غزة تتحدث عن تكدّس البشر في “جباليا” و”الشجاعية”، وعن المجازر التي تفوح روائحها والتي قد تحدث، وعن ما يفوق حدود العقل.
بعيدا عن تحليل مواقف القاهرة، والدوحة، وأنقرة، وواشنطن، و”حماس”، والرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ وعن الذي يريد أن يفرض، والذي يرفض هدنة؛ وعن الإعلام المصري وما يقوله؛ وعن حيرة وهدوء المدن العربية الذي لن يغفره التاريخ.. فإنّ ما يجري ولا يريد أن يفهمه السياسيون، خصوصا الرسميون، أنّ هذه مرحلة سَتّغير وجه الأحداث، مثلما، أو ربما أكثر أو أقل قليلا، مما غيرتها حروب 1948، و1967 و1982.
قبل هذه الحرب، كانت الأسئلة عن كيف يُرتب وضع غزة سياسيا وحياتيا، وحتى عسكريّاً، وكان الحديث عن كيف تتدرج وتتطور مقاومة شعبية، وتُطور وسائل مواجهة جديدة، وكيف يتم إصلاح العمل الوطني الفلسطيني، وكيف تتم المصالحة. الآن، ستغلق كل هذه الأسئلة، حتى لو حُلَّ بعضها، خصوصا وضع قطاع غزة. الآن، ثبت بالوجه القاطع أنّ عوائق المقاومة الشعبية المدنية أكبر من أن يجري تجاوزها، وأنّ واقع التنسيق الأمني وواقع الوضع السياسي لا يحتمل التساؤلات الصغرى، بل ستكون الأسئلة على مستوى أكبر كثيراً، تتعلق بجذور وأيديولوجيا وتنظيم وقيادة وأهداف العمل الفلسطيني.
لا يمكن للقاهرة أن تتهم قيادة “حماس” بالمناورة، ولا يمكن لأحد أن يلوم أحداً في غزة؛ ببساطة، لأنّ من يدّعي أنّه على حق، وأنّه قيادة، عليه أن يفرض إيقاع الأحداث ويتولى مواجهة العدو، لا أن يلتمس له أعذاراً. 
عندما حدثت حرب 1948، تغيرت أنظمة وسقطت، وظهرت أحزاب وقوى سياسية. وبعد العام 1967 ظهرت قوى المقاومة الوطنية الفلسطينية وتراجعت الأحزاب القومية واليسارية. وأدت حرب 1982 إلى عودة الثورة إلى داخل فلسطين، وإلى نشوء قوى المقاومة الإسلامية، وخصوصاً “الجهاد الإسلامي” و”حماس”. وامتدت آثار حرب 1982 لتؤثر في عقل جيل كامل، ليس فلسطينيا فقط، بل وعربيا، أثر في مسار الحدث في العالم العربي. والآن مع مجزرة غزة، وغرابة رد الفعل العربي الرسمي، وحالة عدم الفاعلية الرسمية الفلسطينية، ومع ما يحدث في العالم العربي من طائفية وإرهاب داخلي بين الطوائف وضد الناس العاديين، وبين الأنظمة والأحزاب، ستكون هناك صدمة شعبية، تليها تفاعلات ومسارات جديدة. هذا ليس نوعاً من التفاؤل، بل هو جزء من تشاؤم، ومن التحذير وتوقع الحريق المقبل، أو الفناء وتحلل أمة.

تعليق واحد

  1. سلاح انتقام الجبان والمهزوم.
    من لا يعرف الشجاعية …. فما عليه سوى معرفة ماذا تعني كلمة الشجاعية اولا ….. فالشجاعية ، تعني مجموعة من الشجعان ، بلغة الغزاويين من ابناء فلسطين ، وابناء عام 1948….. وهذا السر من استهداف العدو الصهيوني لمكان وموقع اشبال الشجعان ، وخنساوات فلسطين في الشجاعية ، من نساء واطفال …. بعد ان لقن اسود فلسطين هذا العدو ، درسا لن ينسوه ….. وان ارواح اطفال ونساء وشيوخ الشجاعية ، سوف تلاحق وتطارد ، احفاد القردة والخنازير ، الى يوم فناءهم على ارض فلسطين ، وانه ليوم قريب باذن الله …. اليس الصبح بقريب.

  2. اعانهم الله وغفر لشهدائهم
    ان الصمت الفلسطيني والعربي الكبير لهو أكبر دليل على ان العالم كله كان يعلم بما سيحدث وموافق عليه في سبيل إنهاء المقاومة في فلسطين.
    إن أحداث غزة لدليل صارخ على خيانة الجميع حكومات وشعوب نظرا للصمت القاتل من الجميع. فإلى متى سيستمر العدوان الصهيوني على أهلنا في فلسطين بحجة حماية مواطنيه مع أنه هو من يبدأ بإثارة المشاكل ليصل الأمر إلى هذه المرحلة؟ هل محاصرة المعابر ومنع دخول البضائع لا يعتبر أعمال عدوانية؟ هل موت الفلسطينيين في غزة من الجوع من هذا الحصار وعدم دفع رواتبهم بسبب هذا الحصار أيضا لا يعتبر اعتداء صارخ من قبل المعتدين الصهاينة؟
    أنا في الختام لا استطيع إلا أن أقول أعان الله أهلنا في غزةولعن اأحفاد القردة والخنازير ومن يواليهم سواء كانوا اوروبيون أو غربيون أو حتى عرب أو مسلمين
    ودمتم

  3. الخاسر الأكبر
    حسمت الأنظمة العربية أمرها فاعتبرت جميع تيارات الإسلام السياسي السني عدوة لوجودها. ويشمل هذا العداء من كان من هذه التيارات يؤمن بالديمقراطية أم بالجهاد أسلوبا للتغيير. وهذه نتيجة منطقية فإن هذه التيارات تسعى في المحصلة إلى إنهاء هذه الأنظمة. لذلك أصبح الصراع صراع وجود بين الأنظمة العربية وهذه التيارات. وقد أوجد هذا جبهة مصالح تضم المتناقضات وتجمع المتنافرين وحتى الأعداء تحت هذه الراية.
    لكن نتائج معركة غزة ستمسّ بدرجة رئيسة صورة هذا النظام الرسمي العربي؛ وسيمسي أحد أكبر الخاسرين مما يحدث هناك، رمزياً واستراتيجياً. فتلك الأصوات الصادرة من هنا وهناك، والتغطية الإعلامية المكشوفة التي تفضح المواقف الحقيقية لهذا النظام تجاه غزة، ما يصطدم بالرأي العام العربي، يعزّز من قناعة شريحة واسعة من المواطنين بتواطؤ عربي مع العدوان، ما ينعكس، بصورة أو بأخرى، عبر نمو التيار الراديكالي الإسلامي، وتجذير القناعة بفساد هذه الأنظمة وفشلها السافر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock