أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

الشخوص أم البرامج؟

سلامة الدرعاوي

يعاتبنا الكثير من الأصدقاء والقراء على حد سواء حينما تناولنا موضوع الاشخاص وربط الإنجازات بهم، وأن هذا الأمر لا يجوز عند الحديث عن الأمور العامة في الدولة.
هذا الكلام صحيح، والعتب أيضاً صحيح، فالكتابة عادة ما تركّز على الاشخاص وربط الإنجازات والإخفاقات معاً بالشخوص، وهذا له أسبابه ومبرراته.
التركيز على الشخوص في الإعلام والكتابة الصحفية سببه غياب البرامج التي تسيطر على سلوكيات العمل الرسميّ، فكل حكومة تأتي تلغي ما قامت به الحكومة السابقة من برامج او خطط او سياسيات إلا ما ندر منها.
كُلّ وزير يأتي ويقوم بإيقاف كُلّ برامج سلفه، لا بل يتجاوز الأمر بتغيير سكرتيرته ومدير مكتبه وسائقه، ويطال الأمر في بعض الأحيان أمين عام الوزارة، حتى تصبح الوزارة في هذه الحالة فاقدة للذاكرة المؤسسية، فالوزير وطاقمه وأمينه العام كلهم جدد.
غياب العمل بروح الفريق الواحد أو المؤسسي جعلتنا مع كُلّ أسف نتجه للشخوص لعل وعسى ان يكون هناك أمل في من نتوسم فيهم خيراً للعمل العام خلال فترة عمله الرسميّ الوجيزة التي يمضيها، ولا يحقق من هذا العمل شيئا بعيدا عن المدى، فكل ما نحتاجه من هذا المسؤول ان يحقق ولو شيئا يسيرا من المطلوب من خلال تسلمه لمهامه الرسميّة، وان يوظف جزءاً من خبراته ومعرفته فيما يعمل به وينشره بين العاملين معه لتعم الفائدة الجزئية على باقي الموظفين.
نعم التركيز على الشخوص أمر خاطئ في تقييم السياسات العامة والعمل الرسميّ، لكن ما ” باليد حيلة” ونحن ننظر للنوّاب وهم يمارسون دورهم النيابي من خلال توظيف الأمور الشخصية وتعميمها على العمل العام، فالذين يتحدثون بالأمور البرامجية والخطط ويؤمنون بالعمل المؤسسي محدودون للغاية لا يتجاوزون عدد الاصابع الواحدة.
نحن نرى الإعلاميين والصحفيين يمارسون دورهم ومن خلف نوايا مبيتة لتحقيق اغراض شخصية خالصة لهم، وفي حال لم تتحقق تتحول تلك الكتابات إلى شعارات إصلاحية ونقد جارح مبني على الشعوبيات وتوظيف احتياجات الناس لمآرب شخصية لا أكثر.
من خلال الإعلام الرسميّ تجد ان الحكومات تتغنى بروح العمل الجماعي والمؤسسي، لكن واقعيا تتركز العلاقات فيما بين الوزراء وحتى مع رئيس الوزراء نفسه على العلاقة الشخصية لا أكثر، ومسألة اختيار الوزراء وكبار المسؤولين في القطاع العام في غالبيتها ترتكز على العلاقة الشخصية، وبعيدة كل البعد عن الاتفاق حول برنامح عمل معين او خطة عمل محددة.
هذا الأمر ليس في الأردن وحده، بل في غالبية الدول النامية، فغياب العمل المؤسسي يعني ببساطة غياب الرقابة والمحاسبة، وانتشار مظاهر التجاوزات والتطاول على القانون، والشروع بأعمال فيها شبهات فساد كثيرة، مستغلين طبيعة العلاقات الشخصية التي تتحكم في آليات المحاسبة والتقييم التي هي في العادة ما تكون أيضا قراراتها مبنية عى طبيعة المصالح الشخصية بين أطراف ذات العلاقة المعنية.
“حب الذات” يسيطر على غالبية نفوس المسؤولين، ومعظمهم يتطلع إلى تحقيق شيء يتحدث عنه الشّارع وان يكون مرتبطا باسمه هو لا باسم مؤسسته او وزارته مع كل أسف.
غياب المؤسسية والعمل الجماعي يفتحان الباب على مصراعيه للتطاول على مبدأ سيادة القانون، وانتشار المظاهر العشوائية في العمل العام، فلا محاسبة ولا تقييم علميا او عمليا، حينها يكون فاعلا، بل تكون المصالح هي من تتحكم بالأعمال والمظاهر.
لا خيار لنا سوى ان نتطلع إلى المسؤول الكفء الذي يدخل الخدمة العامة باعتباره بارقة أمل للإصلاح والإنجاز في ظل غياب روح العمل الجماعي وانعدام البرامج والعمل المؤسسي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock