تحليل إقتصادي

الشراكة كمدخل لحوكمة القطاع العام في ظل إدارة الأزمة

د.عبدالله محمد القضاه*

تمثل الحوكمة رافعة للإصلاح الإداري ومجابهة الفساد في القطاع العام فهي مجموعة التشريعات والسياسات والهياكل التنظيمية والإجراءات والضوابط التي تؤثر وتشكل الطريقة التي توجه وتدير الحكومة لتحقيق أهدافها بأسلوب ُمهني وأخلاقي بكل نزاهة وشفافية وفق آليات للمتابعة والتقييم ونظام صارم للمساءلة لضمان كفاءة وفعالية الأداء من جانب، وتوفير الخدمات الحكومية بعدالة من جانب آخر، وعليه؛ فالحوكمة الرشيدة تمكن القطاع العام من الأداء الجيد وتقديم الخدمات بكفاءة وفاعلية، إضافة إلى إتخاذ القرارات والإجراءات الإدارية وفقا للتشريعات النافذة بحيث تلبي توقعات الأطراف ذات العلاقة “الشركاء” من الشفافية والنزاهة والمساءلة، وبالتالي تعزيز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.

ومن عناصر الحوكمة؛ سيادة القانون، والشفافيه، والمساءلة والمحاسبة، والكفاءة والفاعلية، والمشاركة ، والأخيرة هي موضوع مقالنا ، على أن نتناول العناصر الأخرى بمقالات لاحقة.

الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني أصبحت خيارا إستراتيجيا، فلا يمكن تصوّر نهضة و تطوّر في المملكة دون وجود كفاءات تعمل على تطوير سياسات الدولة بما يتناسب وتحدّيات المرحلة، و حيثُ أن هذه السياسات تنعكس علينا جميعا، فإنّ المشاركة في تحديدها من طرف الجهات الثلاث يغدو أمرا ضروريا: المجتمع المدني ، القطاع الخاص ، والحكومة هي التي تعمل على تنفيذ السياسات على أرض الواقع، فالحوكمة الرشيدة تعني أنّه لا يمكن التفرّد بأخذ القرار بمعزل عن بقية مكونات الدولة و المجتمع.

الشراكة على مستوى السياسات ؛ كأحد عناصر الحوكمة ، مازالت محدودة وغير مقنّنة بالشكل الكافي في الدولة لغياب أطر تشريعية واضحة تؤسّس لتواصل فعّال ودائم بين صناع القرار من جهة و المجتمع المدني و القطاع الخاص من جهة أخرى، كما أن الشراكة تعد حجر الأساس في إدارة الأزمات؛ فالقرارات الحيوية للحكومة لابد من أن تتصف بالسلامة والقبول والركن الآخير لن يتحقق من غير تفعيل عملية الشراكة ، وربما تجربة المملكة في ادارة ازمة الكورونا وخاصة في الأسابيع الأولى منها أثبتت بشكل جلي أهمية هذه الشراكة.

وفي ضوء ماسبق تبرز الحاجة لإطار مؤسسي يضمن التواصل و التبادل المستمر بين مختلف القطاعات المجتمعية ، والأمر يتطلب الى مبادرة الحكومة بدعوة القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني للشراكة وتبيان أهمية هذه الشراكة للأطراف المعنية ، والتوصل إلى آلية واضحة وتفصيلية لهذه الشراكة مع ضمان قاعدة مؤسسية للمتابعة والتنفيذ إضافة إلى تشريعات عاجلة تقنن وتنظم أسلوب الشراكة ومهام الشركاء، على أن لاتفرض الحكومة هذه التشريعات وإنما يتم التوافق عليها لتقر من السلطة التشريعية بالشكل الذي يمنع تضارب المصالح ومراعاة الممارسات الدولية في هذا الجانب.

قد يكون من المناسب للدولة الأردنية تشكيل مجالس قطاعية على مستوى السياسات ، – من غير جهاز وظيفي تنفيذي – وهذه المجالس تنعقد دوريا برئاسة رئيس الوزراء وعضوية الوزير المعني ، ولاينفرد رئيس الحكومة في اختيار أي من الممثلين فيها ، فهي تضم نخبة من علماء وخبراء وممارسين يتم ترشيحهم بشكل مؤسسي ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لو تم تشكيل ” مجلس السياسات الاقتصادية ” يكون برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزير التجارة وعدد من ممثلي الحكومة المعنيين بالشأن الإقتصادي ، ويطلب من القطاع الخاص تسمية ممثلين لديهم الخبرة العملية المناسبة وكذلك مؤسسات المجتمع المدني ولابد هنا من أن يمثل علماء الاقتصاد والخبراء الممارسين ، وقد يتم التغيير النصفي للأعضاء كل اربع سنوات على سبيل المثال.

تلتزم هذه المجالس بتقديم الأفكار والحلول الإبداعية وكذلك مناقشة مشاريع الحكومة ضمن الإختصاص وتقديم الرأي الإستشاري قبل إتخاذ القرار الحكومي بالشكل الذي يضمن ترشيد ودعم القرار الحكومي وبالتالي ضمان القبول المجتمعي لهذا القرار وتحمل جميع المعنيين مسؤولية تنفيذه بالشكل السليم.

هذه المجالس ، والتي يمكن أن يعمل مركز “دعم القرار” الذي نقترح إنشاؤه في رئاسة الوزراء كمقرر ومنسق لعملها ومتابعة جلساتها وصياغة وتحليل كافة السيناريوهات المقترحة من كل مجلس ، ستشكل منهجا علميا ابداعيا في العمل الحكومي ، كما أنها لاتربط فشل أو نجاح البرامج الحكومية بشخص رئيس الحكومة او الوزير المعني لأنها تنقل العمل والإنجاز والمساءلة لفرق وطنية تعمل بشكل مؤسسي ومستدام بعيدا عن الفردية والشخصنة ، ناهيك عن تمكين الدولة من الإستفادة من كافة الخبرات الوطنية الأمر الذي ينعكس إيجابا على ولاء الكفاءات الوطنية وإدماجهم في عملية النهضة المنشودة.

*امين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock