أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الشراكة والتنمية المستدامة

ترتكز أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي تتبنَّى الأمم المتحدة تحقيقها بحلول العام 2030 على منظومة من الأهداف التي تتعلق بالتعامل مع قضايا الفقر، والبطالة، والمساواة بين الجنسين، والتعليم الجيد، والصحة، والمياه النظيفة، والطاقة، والاستهلاك والإنتاج، والقضايا البيئية التنموية الخاصة بحياة البشر والكائنات الحية بشكل عام، ويُتوج ذلك كله بالهدف السابع عشر القائم على عقد الشراكات لتحقيق تلك الأهداف التنموية المُستدامة.
ولعل الهدف الأخير هو، بلا شك، مفتاح تحقيق الأهداف الستة عشر الأخرى. فالعالم اليوم يتقاسمه قطبا الإنتاج؛ القطاع العام والقطاع الخاص، بدرجات متفاوتة بين دولة وأخرى. فهناك من الدول ما يشكل القطاع الخاص بها الحجم الأكبر من الاقتصاد، كما هو الحال في اقتصادات الدول المتقدمة، في حين أن القطاع الخاص يسيطر على الجزء الملموس من الاقتصاد، وبنسب متفاوتة بين 40 %- 60 %، في معظم الدول متوسطة الدخل.
وفي النهاية فإن القطاع الخاص بات يشارك الدول حتى فيما كان يُعرف بالسلع والخدمات العامة، بما في ذلك ما يتعلق بالتعليم، والصحة، والتزويد بالمياه، والطاقة، وغيرها من السلع والخدمات التي كان ينحصر تقديمها بالحكومات في العديد من دول العالم.
بيد أن مفهوم الشراكة بين القطاعين يقوم ويتعزز مع التوسُّع في مفهوم العائد الاجتماعي جنبا إلى جنب مع العائد المالي، أو المادي الذي يسعى القطاع الخاص إلى تعظيمه دوما. ومن هنا، فإنَّ تواجد القطاع الخاص في العديد من المجالات التي تقدم الخدمات والسلع العامة يتطلب أن يوائم بين هدفه في تحقيق الأرباح والتوسُّع، ودوره في تقديمها بنوعية وجودة وتميز وتنافسية، مع هدفه الاجتماعي القائم على مشاركته الفاعلة فيما بات يُعْرف بالمسؤولية المجتمعية، أي التنمية المجتمعية ودعم المجتمعات التي يعمل فيها ويستغل مواردها.
الشراكة مع القطاع الخاص معناها الشراكة في تحقيق تنمية مستدامة متوازنة تحقِّق لطرفي الشراكة أهدافهما في الاقتصاد الوطني. ومن هنا فإنه بالقدر الذي تخلت فيه الدولة عن دورها الإنتاجي، وخاصة في مجال السلع، وبشكل ما في مجال الخدمات، فإنَّ دورها الرقابي التنظيمي التشريعي يجب أن يكفل لها أن تُحقِّق الأهداف التنموية التي تسعى إليها في مجال خدمات التعليم، والصحة، ومكافحة الفقر، وتحقيق التشغيل الكامل للموارد، بما يحدُّ من الفقر والبطالة بشكل نوعي، وفي تزويد المجتمع بالطاقة النظيفة رخيصة التكاليف، والمياه النقية التي تصل إلى كافة المواطنين بكلف معقولة، وفي توفير الخدمات الصحية النوعية، وتقديم خدمات الأمن والاستقرار للمجتمع.
خروج الحكومات من الإنتاج لا يعني بأيِّ شكل من الأشكال انسحابها من التأكد من حصول المواطن على سلع وخدمات تنافسية. وعلى صعيد آخر، فإنَّ دور التنظيم والرقابة والتشريع يجب أن يضمن بيئة منافسة صحية للقطاع الخاص، تؤهله إلى تحقيق أهدافه في مجال الأرباح والعوائد، بما يجعله قادرا أيضا على الاستمرار في الإنتاج وفي تقديم الخدمات.
الاقتصاد الأردني هو أحد الاقتصادات القليلة التي حافظت منذ نشأتها على تواجد معنوي للقطاع الخاص في كافة مراحل التنمية التي مرَّ بها الاقتصاد. ومقولة إنَّ “الاقتصاد الأردني يحلِّق بجناحين” مقولة سليمة تؤكدها مساهمة جناحيه؛ القطاع الخاص، والقطاع العام، في الحياة الاقتصادية وسلامة كلا الجناحين تعني سلامة التنمية الاقتصادية، والقدرة الحقيقية على تحقيق أهداف التنمية السبعة عشر.
القطاع الخاص يشكِّل اليوم ما يقرب من 60 % من الاقتصاد الوطني، وهو مؤهَّل للزيادة، وهي زيادة يمكن أن تتحقق مع تحسين نوعية دور القطاع العام في مجال تقديم خدماته التنظيمية والرقابية والتشريعية. جناحا الاقتصاد الأردني سيحقّقان أهداف التنمية المُستدامة السبعة عشر متى قام كلّ منهما بدوره في تحقيق العوائد الاجتماعية والمادية التنموية المستدامة والمتوازنة بشكل فعَّال ومستمر مهما اختلفت الدورات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock