أفكار ومواقف

“الشظايا والفسيفساء”

لم يكن الراحل مؤنس الرزاز يحتاج إلى أن يرتدي لبوس زرقاء اليمامة كي يجترح “الشظايا والفسيفساء” عنوانا لرواية أنجزها في العام 1994، أي قبل ثماني سنوات من رحيله العاصف في مثل هذا اليوم من العام 2002. كان يكفي مؤنس أن يحدق قليلا في الواقع العربي كي يعثر على خرائط الفسيفساء المترامية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر. وما بين الماء والماء ثمة أكوام الشظايا وآبار الدماء والدموع.


سألت مؤنسا ذات حوار صحافي عن مصادر الفانتازيا التي يحفل بها أدبه وتفوح بعبقها رواياته كلها، فأجابني، فيما كان يبرم شاربه الكث الذي يغطي شفتيه: حدق قليلا في الحال العربي.. قليلا جدا، وسجل ما تراه بكل ما أوتيت من واقعية من دون أي تزويق أو تحريف، فسوف تكون بإزاء فانتازيا من طراز أدبي رفيع!


عاش مؤنس حياته، محدقا في عتمة النفق العربي، وارتمى من فرط تحديقه في أتون كآبة اعتزل الناس خلالها أو كاد، وكانت حدة ذلك الإحساس أشد وطأة مع حرب الخليج الثانية التي جعلته فريسة التمزق بين التضامن مع نظام قتل والده المفكر القومي منيف الرزاز، وبين البارجات الأميركية التي كانت توجه نيرانها إلى قلب إبي جعفر المنصور.


كان مؤنس الرزاز من أشد المثقفين العرب انسجاما مع نفسه وفكرته. وكانت حساسيته معينا لا ينضب يرفده بالتجليات الخلاقة التي جعلت منه واحدا من ألمع الروائيين العرب وأكثرهم حداثة وتجريبا. وكان يتوفر على مقدار من النزق جعل حجم الاحتجاج في داخله كبيرا ومتأججا، وهذا ما منحه مساحة حرية في الهرب من القيود المؤسسية والحزبية وسياسة “أبي الجماجم” التي عانى منها أثناء قيادته رابطة الكتاب. كان مؤنس يهرب بخفة، ويعتصم بالكتابة التي ظل ينزفها حتى لحظة مغادرته شرفة رابطة الكتاب إلى مستشفى لوزميلا بجبل اللويبدة، ليختتم مشواره مع الحياة وهو في قمة إبداعه وعطائه، ويأسه من إصلاح الواقع العربي.


وفي اعتصامه بحبل الكتابة، وبخاصة الصحافية، ابتكر مؤنس شخصية “كثير الغلبة” الذي جعله صديقه الأثير الذي يبث من خلاله همومه اليومية عبر زاويته التي انتقل بها من “الدستور” إلى “الرأي”، وأطل من خلالها على أزمنة  “الشظايا والفسيفساء”.


ولشدة نقائه، كانت زاويته الصحافية، التي لم تكن تتجاوز الثلاثمائة كلمة، تلتقط بوصلة الانهيار العربي في أكثر حالاته هياجا وبؤسا. وكان يحرص رغم العتمة الكثيفة أن يفسح، بمساعدة صديقه الملحاح “كثير الغلبة”، لبقعة ضوء أن تتسرب من بين الشقوق.


كان مؤنس الرزاز كاتبا صحافيا نادرا أفتقده بأسى شديد لفرط ما يعتري المشهد الإعلامي من قحط وتزييف. ولكم كنت فخورا، حين كلفني أستاذي د.خالد الكركي، وكان يومَها رئيس مجلس الإدارة في صحيفتي الأم “الرأي” بأن أكتب المقالة الأخيرة في الزاوية ذاتها التي كان يطل مؤنس من خلالها على قرائه.


وإمعانا في تأكيد محبتي وإعجابي بمؤنس، رحت مع زملاء صحافيين في “الرأي” نعمل كي نرد لو جزءا من الجميل الذي ضمخ به “أبو منيف” أرواحنا، فأصدرنا كتاب “هاملت عربي” الذي تضمن شهادات ودراسات عن مؤنس وأدبه، وقدمه الروائي الراحل عبدالرحمن منيف، وصدر عن “مكتبة الرأي” في الذكرى الأولى لرحيل “النمرود” الذي مد لسانه الصغير في مواجهة العالم الكبير.

تعليق واحد

  1. ABU MU'NESS
    كم أنت رائع في جدّيتك ومثابرتك يا صاحب القلم العصيّ على المبدأ بلغة
    جزلة تصعب محاكاتها … إبتداء أترحم على الكاتب الشفاف والروائي
    القدير مؤنس وعلى والده الدكتور منيف ، أسماء على مسميات حقيقة .
    في بداية السبعينات من القرن الماضي ، خبرت الدكتور منيف في شارع
    بسمان وسط البلد في عيادة له كانت في هذا الشارع ، كنت أعمل كموظف دعاية طبية لإحدى الشركات المصرية في أحد المستودعات
    واسمها شركة " سيد " للصناعات الدّوائية ، وكان قد قيل لي " ركّز على
    زيارة الدكتور منيف فهو يحب وصف ألأدوية العربية " كنت أزوره
    مرتين أو ثلاثا في الأسبوع وأجزل له من كمية الأدوية ( العينات )
    المُعطاة دعائيا بغية استخدامها للمرضى المراجعين ، لم يكن يطلب
    مني ذلك أبدا ، كنت أجلس على الكرسي قبالته وابتسامته الدافئة
    تعلو محياه ، كنت أضع الأدوية أمامه على الطاوله قائلا : – هذه
    من شركة سَيّدْ المصرية فهي سيدة الشركات الدوائية العربيه لأستفز
    فيه العاطفة القومية علّني أحظى منه بوصف أكثر لأدوية الشركة ،
    كان يبتسم بهدوء ويهز رأسه قليلا وكأنما يقول" شظايا وفسيفساء هو
    حال العُرب " ، طبعا لم أكن أدرك ذلك وقتئِذٍ ، ولكن اختلاف شخصيّته
    الهادئة الرزينة عن كثير من الأطباء آنذاك فرضت علي حبه واحترامه
    وتقديره … رحم الله الدكتور منيف الرزاز ومؤنس الرزاز وفي الليلة
    الظلماء يفتفد البدر .

  2. النمرود الموهوب
    اشكر الاستاذ موسى برهومه ربان الغد المتالق على الدوام على استحضاره فى مقاله (الشظايا والفسيفساء) ذكرى روائى اردنى متميز على مستوى العالم العربى .لقد مر مؤنس مرورا خاطفا فى هذه الحياةليس لأنه انتقل الى الرفيق الأعلى فى سن مبكره حيث لم يكن يتجاوز الخمسين عاما عند وفاته ولكن لأنه كان يردد دائما القول(لقد بددت ثلاثة ارباع عمرى فى محاولات يائسه للأنقلاب على طبيعتى المغيره لأتحول الى رجل لا علاقة له بى )
    لقد كان مؤنس يجمع فى شخصه العديد من الصفات المتناقضه
    فقد كان موهوبا ونمرودا فى آن واحد معا رغم مرض الإكتآب المزمن الذى كان يعانى منه
    ولا احد ينكر بانه كان احد روائيى الوطن العرب الذين جددوا شكل الكتابه الروائيه العربيه فى العصر الحديث فى حين امتارت كتاباته بالجراه والحيويه وغزارة الانتاج وبغيابه تكون الرواية العربيه قد خسرت احد فرسانها الكبار الذين ردموا الهوه بين الحكاية والحياة ولكنه بقى فى الذاكره بإرثه الأدبى الإنسانى المميز

  3. شكرا يا صاح على هذه الذكرى العطرة
    الف رحمة على روحك الطاهرة يا مؤنس ..ربنا سبحانه وتعالى شاء أن ينقلك من هذا العالم العربي الصاخب ،ويريحك من عناء الألم الذي ينغص حياتنا كل مطلع شمس ، ومن غربة الحياة التي نعيشها ، وكيف اصبحنا نمد ايدينا لعدونا ، ونرجوه أن يتصالح معنا ، وبعطينا جزءا بسيطا مما سلبه منا .الأ ان عدونا يا مؤنس اخذ يكبر وانضم له قيادات عربية كبيرة ،وشحصيات وطنية كلهم باعوا انفسهم للدولار ولكتابة مصرع القومية العربية التي دربنا عليها المغفور له بأذن الله معلمنا واستاذنا وأبانا الروحي الوالد العظيم الدكتور منيف ، الفاتحة ، والصلاة الربانيةعلى روحكما.لم يشأ الرب أن يثق لعليك المأسي التي نعانيها اليوم ..فاسرع سبحانه وتعالى باختطافك منا.أن تكريم وطنك الأردني بتسمية شارع في جبل اللويبدة باسمك له معنيان ..المعنى الأول تفديرا لأدبك ..والمعنى الثاني لأنك احببت عمان ، وخاصة جبل اللويبدة فأرادت الدولة أن تزين عمان ياسمك

  4. يوميات كاتم صوت
    شكرا للأستاذ موسى على لمسة الوفاء التي كلل بها يومياته الأسبوعية , و أنا أعرف كم تأثرت استاذي و مازلت بهذا العملاق و الذي مثل يوما ما حلما شعبيا عريضالمحبي عالم الكتابة , ذلك لأن مؤنس الرزاز كان يؤمن بأن الموهبة الجيدة يمكنها أن تعطينا رواية واحدة جيدة، أما المشروع الروائي فهو قصة أخرى، شرطها الأساسي الحياة الغنية العميقة، ألا يكون المبدع بأي شكل من الأشكال معزولاً عن الحياة والناس وحركة الشارع.لهذا فهو حتى في يوميات كاتم صوت استعصى عليه فعل الكتمان و باح و ساح بلغته الأم بكل أسرار دمشق و القاهرة و بيروت و بغداد,ولم يكتف بدور المؤرخ , بل انه عاش خيبة هذه المدن وأدرك مدى السواد الذي يلون جاداتها , و مرة أخرى باح و ساح و استراح.. و تركنا نحن للخيبة!! شكرا مرة ثانية..لحظة وفاء مقدرة لك.

  5. الكتابة بخير مادمت معنا
    شكرا للاستاذ المبدع موسى برهومه .. و أنتم على نفس النهج سائرون .. قواك الله يا أخي

  6. الشظايا والفسيفساء
    رصد جميل لاعادة معاني الذكريات واحيائها. فهذا يا استاذ موسي هو أقل الوفاء للجميليين أمثال مؤنس الرزاز. ففي التذكر تفكر وتأمل واستدراج لمعاني مازالت تنبض بحياة الافكار ضد الموت والغياب.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock