ترجمات

الشعبوية المتعصبة هي بداية نهاية لبنان كدولة حداثية

حسن منيمنة* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 4/10/2019

يعيش لبنان اليوم معركة وجودية حول شخصيته وهويته ومستقبله. وليس من المبالغة القول إن حصيلة هذه المعركة ستقرّر نجاح لبنان كمشروع حداثي أو فشله. ولطالما كانت لهذا الوطن مكانة مهمة في الوعي العربي. وكما أن مسار لبنان في المراحل الماضية كان انعكاساً لما شهدته المنطقة، فإن تداعيات الفشل المحتمل قد تطال جواره.
كانت الصيغة التعددية التي يعيشها لبنان -وما تزال- تشكل اختباراً لإمكانية تشكيل هوية ذاتية عربية لا تنطلق من التأطير الديني. ويوم التأمت جامعة الدول العربية للمرة الأولى في العام 1945، دفع حضور الوفد اللبناني بأحد المشاركين إلى أن يسأل متندراً: “لماذا لم تُوجّه الدعوة لليهود؟”، وكان الوجه المسيحي للبنان، وما يزال، يشكل تحدياً للبعض في المحيط العربي، فيما يرحّب به آخرون كملاذ من طغيان الأحادية.
يجعل اعتماد لبنان بمجموعه الوطني نمط عيش يقترب من النموذج الغربي منه استثناء في جوار يرى بعضه في الحداثة، فيما يتعدى تلقف منتجاتها المادية، تجاوزاً لنظامه الاجتماعي القائم على الدين. وتندرج المجتمعات اللبنانية بعمومها، ولو بمقادير متفاوتة، في أطر ثقافة واستهلاك تحاكيان تلك القائمة في دول الجنوب الأوروبي، أكثر من قربها للأنماط السائدة في العمق البري للمنطقة، وتشكل متنفساً لدعاة التغيير بعيداً عن التناقض المفترض بين الأصالة والحداثة.
لكن هذه السمات التي تجعل من لبنان بلداً متفرداً بذاته هي التي تضعه اليوم في دائرة الخطر.
عاد قدر كبير من الازدهار الذي شهده لبنان في منتصف القرن الماضي إلى استفادته الناجعة من مصائب المنطقة. فقد وفّر لجوء الأرصدة والنخب من القاهرة ودمشق وبغداد، والتي عانت من الفوضى المتواصلة وغير الحاسمة، فرصة للبنان مكّنته من الارتقاء المادي والثقافي إلى مستويات عالمية. غير أن سياسة الانفتاح هذه أفسحت المجال كذلك لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بتشكيلات فصائلها، للقدوم إليه والإقامة فيه على حساب استقراره وأمنه.
وبعد سلسلة من الحروب المدمّرة، أظهر لبنان في التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة ملامح الاستعداد للعودة إلى مكانته الطليعية في المنطقة. غير أن هناك عاملين اعترضا بشكل خطير، وربما دائم، قدرته على تحقيق هذه العودة.
أول هذين العاملين هو السيطرة الإيرانية المتقنة على لبنان كدولة وكمجتمع، والمتحققة من خلال وضع اليد الواضح والمحكم والقريب من الاكتمال، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، على الطائفة اللبنانية الشيعية، والاختراق الدقيق لسائر الطوائف فيه.
أما العامل الثاني، وهو أكثر خفاء ولو أنه يوازي الأول أو أنه تجاوزه من حيث المفعول، فهو التخلي المتزايد داخل لبنان عن مشروع التحديث السياسي الذي قام هذا الوطن على أساسه.
جاء تكوين لبنان، الذي يقترب الآن من مئوية تأسيسه، قبل قرن على أساس توافق بين فرنسا، بصفتها الدولة المنتدبة، والبطريركية المارونية، ونخبة اجتماعية ثقافية محلية مسيحية في معظمها -وإنما ليس كلها- والذي مهد الطريق إلى الحداثة. فبدلاً من إقامة دويلة ذات لون ديني واحد، والتي كان من شأنها توفير الملاذ لمسيحيي المشرق، وإنما التي ستكون هشة وتحت الخطر، تم اعتماد فكرة “لبنان الكبير” القادر على إدارة التحولات السكانية المرتقبة، التي اتضح أنها لن تكون لصالح المسيحيين، من خلال دمج غيرهم (من المسلمين والدروز) في كيان سياسي مشترك قائم على الحداثة وقيم التنوير.
بذلك، شكل لبنان خلال القرن الكامل منذ وجوده المعاصر إرهاصاً واختزالاً للإشكالية التي تفرض نفسها على الواقع العالمي بكامله اليوم، والمتجسدة في سيادة تطورين مستقلين قديرين: الأول هو التمدد المعنوي للقيم العالمية ومعايير الحداثة، ولو بأشكال متقطعة وغير مكتملة؛ والثاني هو التغير السكاني الذي يضعف نفوذ الفئة الأكثر قابلية لاحتضان هذا التمدد المعنوي المتحقق.
وبشكل أساسي، جرى اعتماد التوزيع الطائفي كأساس للحياة السياسية في لبنان الجديد بُعيد إعلان قيامه، بما يمنح المسيحيين أفضلية طفيفة. وكان الاعتبار، ربما المفرط في التفاؤل، هو أن يكون هذا التوزيع مرحلياً، بانتظار استتباب تدريجي للنظام التمثيلي الصادق البعيد عن التمييز. لكن الواقع بعد انقضاء قرن على قيام لبنان، هو أن هدف إقامة النظام السياسي المتساوي المنفتح أصبح أصعب منالاً اليوم مما كان عليه لحظة إعلان دولة لبنان الكبير.
لكن بالوسع القول إن فشل لبنان الحالي كمشروع حداثي ليس نهائياً ولا حاصلاً في حد ذاته، وإنما هو عائد إلى عوامل طارئة عليه وعرضية على جوهره، سواء كانت داخلية أو خارجية، من قصوره على مستوى المؤسسة السياسية الحديثة واستمرار الأنماط الإقطاعية في نظام حكمه، إلى الأعباء الثقيلة الناتجة عن الصراعات في جواره. بل إن كل مراحل التاريخ اللبناني المعاصر -الانتداب والاستقلال والجمهورية الثانية- حفلت بتوجهات الاندماج الأفقي، المتجاوزة للطوائف والقائمة على اعتبارات ثقافية واقتصادية وسياسية، والمتحدية للإقطاعية الجديدة المستشرية في لبنان، بما يفتح المجال أمام قيام دورة وطنية جامعة. كما يمكن الإشارة إلى شخصيات قيادية بارزة سعت إلى كسر القيود القائمة، مثل الرئيس الأسبق فؤاد شهاب، ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.
لا شك في أن ترسّخ الإقطاعية الجديدة، والقائمة على عمودية العلاقة الزبائنية والخدماتية بين الزعامات وقواعدها الشعبية، وعلى شرعنة تقاسم الموارد والمواقع بين هذه الزعامات، يجعل منها الآن خصماً صعباً للتوجهات الأقل ثباتاً والتي تعبّر عن المصالح الأفقية المشتركة للجمهور اللبناني ككل. ويأتي العبء الإضافي المنهك للاحتلال الإيراني غير الواضح للبنان، والقائم على تبعية علنية لولاية الفقيه لدى البعض، ليضاعف من الشعور باليأس من إمكانية قيام لبنان متطور.
على أن الضربة القاضية لاحتمالات نجاح المشروع الحداثي في لبنان قد تكون في التخلي الصريح والمتعمد عن الصيغة التعددية التي قام هذا الوطن على أساسها لصالح صيغة “ائتلاف الطوائف”، بما يشكل إعلاناً سافراً لفشل فكرة “لبنان الكبير”، في سعي عقيم إلى تطبيق حلول غير قابلة للاستدامة.
ربما جاء كل من رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، وزير الخارجية الحالي والخلف العتيد بالرئاسة، على أساس إشهار أدبيات خطابية وطنية، غير أنهما عبرا عن اندراج ثابت ضمن منطق لبنان كائتلاف للطوائف، ولا سيما في إصرارهما المتواصل على تأكيد “حماية حقوق المسيحيين”. وواقع الحال هو أن اللبنانيين المسيحيين قد أصبحوا أقلية عددية في المجموع السكاني العام، وهو ما أدّى، ضمن نظام المناصفة الذي يمنح المسيحيين والمسلمين حصة متساوية في المجلس النيابي، إلى فوز عدد من النواب المسيحيين بمقاعدهم بأكثرية من أصوات ناخبين مسلمين. ويشكل هذا في نظر عون وغيره تعدياً على حقوق المسيحيين، ويستوجب التصحيح من خلال انتخاب كل طائفة لنوابها، بما يمنح وزناً مضاعفاً لأصوات الناخبين المسيحيين بالمقارنة مع المسلمين.
يتبجح عون وباسيل بحالات متكررة من الاستيلاء على المواقع لصالح التابعين لهم على أنه انتصار لحقوق المسيحيين -بالتمثيل غير المتساوي. وقد اعتمد باسيل كذلك، في سعيه إلى منصب الرئاسة، خطاب حميه المتعصب والمستفز إزاء اللاجئين الفلسطينيين والسوريين.
أدى هذا الخطاب إلى التصعيد اللفظي في الحوار اللبناني العام، كما في المواقف السياسية، وصولاً إلى الانحدار نحو العنصرية الصفيقة. فحين أصدر رئيس إحدى البلديات التي تقطنها أكثرية مسيحية قراراً يمنع بموجبه غير المسيحيين من الإقامة في بلدته، وهو محسوب على التيار السياسي للرئيس، لم يواجه بالإدانة. وحين أرادت إحدى الفنانات الإعراب عن امتعاضها لاعتراض اللاجئين الفلسطينيين على توجيهات جديدة أصدرها وزير العمل، فإنها دعت إلى إحراقهم، كما فعل هتلر باليهود، من دون أن تواجه عواقب جدية.
أثبتت الشعبوية المتعصبة أنها ظاهرة تتسبب بالعدوى، فالضرر الذي يطال الخطاب السياسي في لبنان اليوم واضح؛ حيث يعمد خصوم عون وباسيل من السياسيين المسيحيين إلى المزايدة في التعصب، مما يطلق دورة متواصلة من العدائية والتطرف ويدفع الخطاب الوطني إلى التوتير.
وبالفعل، يمنح الخطاب الشعبوي المتعصب بعض السياسيين المسيحيين شعوراً بالتمكين، بما ينسجم مع مصلحة إيران في استغلال العصبيات الطائفية في لبنان لتعزيز سيطرتها على الطائفة الشيعية، ولمنع قيام خطاب لبناني جامع متجاوز للطوائف وقادر على مواجهة هيمنتها. وسيكون من شأن التلاقي في المصالح بين عون وباسيل وإيران الإضرار العميق بلبنان كدولة حداثية، كما سيؤدي إلى اعتراض استمرار الوجود المسيحي الفاعل فيه.
إن الذي يعتنق الشعبوية المتعصبة ويجاهر بالفئوية الطائفية في هويته السياسية، ويتراجع قولاً وفعلاً عن وعد لبنان التعددي الجامع، والذي صاغه المؤسسون لهذا الوطن قبل مئة عام، إنما يتخلى عن السبيل الأنجع لمواجهة النتائج السلبية للتحول السكاني الأكيد -أي تشكيل مجتمع متحد على أساس القيم والحاضن لجميع مواطنيه من دون تفضيل للأديان والطوائف. واليوم، تستدعي الشعبوية المتعصبة الاستعلائية الحضارية وتعيد إنتاج تاريخ لبنان والمنطقة على أنه صراع بين المسيحية والإسلام. وسوف ينجح هذا التصوير في إثارة العواطف وتحقيق النتائج الانتخابية لأصحابه. ولكنه سيعمل، بالإضافة إلى تشويه تاريخ المنطقة، على مضاعفة التوتر بين الطوائف والتسبب في عزل المسيحيين عن محيطهم وتعريضهم للأخطار.
إن الصراع الوجودي في لبنان ليس بين المسيحيين والمسلمين، على ما في استعمال هذين المصطلحين من اختزال، وإنما يحدث ضمن الأوساط المسيحية بين من يئس من صيغة “لبنان الكبير” ولجأ إلى مقولة واهية بأن الامتيازات الآنية هي حقوق دائمة، وبين من أدرك أن السبيل لحماية حقوق المسيحيين وعموم اللبنانيين هو في الارتقاء نحو هوية لبنانية حداثية مستنيرة قائمة على التعددية والقيم العالمية.
في خضم سياق عالمي يجري فيه تطبيع الشعبوية وتتكاثر فيه المواقف المتعصبة والعنصرية، تسير النسخة اللبنانية من هذا الخطاب بخطى ثابتة إلى طرح المزيد من المادة المستفزة، مبتعدة بالوطن عمّا أراد له مؤسسوه. ولا بد بالتالي -بما يستنزف مصالح اللبنانيين كافة، من المسيحيين وغيرهم، ويحبط جميع المواطنين المستنيرين في سائر الدول العربية إذا اعتبروا أن لبنان هو الشعلة في الليل العاصف- من الإقرار بأن فرص تحقيق الحداثة الصادقة في المنطقة تتراجع.

*محرر مساهم في منتدى “فكرة” في معهد واشنطن، ومدير مؤسسة “بدائل الشرق الأوسط”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock