أفكار ومواقف

الشعرية العربية الغائبة

في حدود العام 2000، استهوتني لعبة كسر الوزن في القصيدة الحديثة، أو التخلي عنه نهائيا لكتابة ما أصبح دارجا جدا في الكتابة العربية تحت مسمى «قصيدة النثر».
أنا وجيلي، كنا مأخوذين بالتنظيرات حول هذا النوع من الكتابة، خصوصا كتابات سوزان بيرنار حول قصيدة النثر، وتنظيراتها لـ”الموسيقا الداخلية” التي تشتمل عليها المفردة الواحدة، بعكس القصيدة الموزونة التي تأتي الموسيقا فيها من خلال تتابع المتحركات والسواكن ما بين المفردات.
كنا متحمسين جدا لكتابات بودلير ورامبو، ونماذجهما في كتابة الشعر المنثور، والنماذج العربية، خصوصا عند أدونيس وخليل حاوي وأنسي الحاج وسعدي يوسف، وغيرهم. جيل التسعينيات الذي أنتمي إليه، بدا وكأنه ما من شيء سوف يوقفه عن تحويل كامل الشعرية العربية نحو هذا الشكل، والذي لم يكن جديدا بالكامل، وإنما انتشاره الواسع كان يشهد أفضل أيامه بدءا من أوائل تسعينيات القرن الماضي.
كانت «موسم في الجحيم»، للشاعر الفرنسي آرثر رامبو، واحدة من القصائد التي شكلت وجدان الجيل الجديد، رغم أنها كتبت في أواخر القرن التاسع عشر. فيها، كان رامبو يكتب بغضب كبير، ويسعى لهدم الحواجز بين الأجناس الأدبية، مؤسسا لشكل جديد، كان يظهر للمرة الأولى في فرنسا، ومنها انطلق إلى العالم كله، على أيدي الكتاب الشباب، والذين اتخذوه، كما لو أنه أداة للرفض والهدم؛ رفض السائد وما تم التوافق والتواطؤ عليه من بنى اجتماعية وثقافية سائدة، وهدم تلك البنى، بما فيها الأشكال الأدبية السائدة.
هكذا، وبهذه الأفكار والرؤى، ربما، دخلت وجيلي ميدان كتابة قصيدة النثر، متحولين، أولا من الشكل العمودي الذي ساد حتى منتصف القرن العشرين، ثم إلى قصيدة التفعيلة، التي صاغت القصيدة العربية منذ نازك الملائكة، وحتى نهاية القرن.
اليوم، لم يعد أحد يسأل حول الشكل الشعري الذي نكتبه، فجميع الأشكال السابقة تمتلك الشرعية، وهي موجودة في الكتابة اليومية التي تعبّر عنها أجيال مختلفة، كل يستخدم ما يناسبه. ولكن، هل يمكن اعتبار هذا الوجود الفعلي كافيا لتحقيق الأثر الجمالي، وهل استطاعت قصيدة النثر أن تحقق معاييرها وخصائصها الذاتية لجهة الإبداع والنقد؟
من خلال نظرة سريعة على ما تتم كتابته في العالم العربي اليوم، يتضح أن قصيدة النثر أصبحت بابا للفوضى غير الخلاقة، إذ لا يمكن أن يبقى هذا الشكل لأكثر من ثلاثة عقود محلا للتجريب من دون أن يتمكن أحد حتى اليوم أن يحدد ملامحه الخاصة، وأن يؤطر له شكلا يستتب عليه.
ولعل ما زاد الفوضى، هو تزامن انتشار قصيدة النثر مع الثورة التكنولوجية الجديدة، ومع مواقع التواصل الاجتماعي التي سهّلت من منح «الألقاب»، فأصبحت ألقاب؛ شاعر، كاتب، إعلامي، وغيرها الكثيرة، تنتشر على صفحات لا يجيد أصحابها كتابة جملتين من دون أخطاء لغوية فادحة.
الأمر الآخر، هو أن قصيدة النثر مثّلت، هروبا شرعيا لمن لا يعرف فن الوزن والعروض. قبل أكثر من عشرين عاما، أخبرني أحد الشعراء النثريين أنه لا يعرف الوزن، لذلك لجأ إلى كتابة قصيدة النثر. اليوم، هناك العديد من القصاصين والروائيين الذين «أفاضوا» كثيرا بنصوص خارج سياقات تخصصهم الكتابي، وقالوا عنها إنها شعر. الفوضى تمتد كثيرا؛ في الصفحات الخاصة بالثقافة في الصحف والمواقع المتخصصة، ومواقع التواصل الاجتماعي، والكتب المنشورة. لا يوجد ما يحدد ما هو الإبداعي وما هو الجمالي في هذا الشكل الأدبي، لذلك فمن حق أي شخص أن يجرب حظه!
وبالعودة إلى السيد رامبو، سنكتشف أنه أثار تلك «العاصفة» وهو ما يزال في التاسعة عشرة من عمره، ليحول العالم إلى وجهة جديدة في الكتابة. لكن، سنكتشف أيضا، أن قصيدته المجمعة الطويلة تلك، والتي عبر فيها عن الغضب واللااكتراث واللاجدوى واللامبالاة، كانت يتيمة، فلم ينجز شيئا بعدها. هل يخبرنا هذا الأمر شيئا عن مستقبل هذا النوع الأدبي؟ لا أدري!
اليوم، يبدو أن القصيدة العربية دخلت في نفق مظلم، فالكتابات الرائجة أصبحت خارج سياق الاستدلال والتعقيد والنقد، وأصبح الاستسهال سمة أساسية لمعظم تلك الكتابات، بينما غابت الشعرية التي ميزت القصيدة العربية على مدى قرون. أظن أنه حان الوقت لثورة جديدة في الكتابة الشعرية العربية!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock