أفكار ومواقف

الشعور بعدم الإنصاف كأزمة سياسية اجتماعية

تبدو الفكرة الأساسية في الجدل العام والاحتجاجات القائمة اليوم تدور حول العدالة والشعور بالعدالة لدى فئات واسعة من المواطنين، حتى البطالة والتشغيل يعكس التعبير عنهما والاعتصام لأجلهما شعورا بعدم العدالة في الفرص والإنفاق العام والقدرة على الاستفادة من فرص التنمية والأسواق، ويبدي كثير من المواطنين استعدادهم للقبول والرضا بالظروف الاقتصادية الصعبة لو أنها تجري على الجميع بعدالة، ولكن مسألة العدالة والإنصاف لا تقف فقط عند التنافس الحر على الفرص والأعمال، إذ يشعر كثير من المواطنين أنه لم يتح لهم فرص التعليم والتدريب والتأهيل للمنافسة على الفرص المتاحة، وأنه لا يجري فقط تمييز في توزيع الفرص لكن هناك تمييزا عميقا ومحزنا في فرص التأهيل والتعليم، وفي هذا التفاوت تتكرس على نحو واقعي وعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية وبين المركز والمحافظات.
وبالطبع فإن قضية العدالة تتفاعل مع تطورات وفرص التعبير المتاحة على شبكات التواصل، إذ أصبح في مقدور المهمشين والمستضعفين اليوم عرض قضاياهم والتعبير عن شعورهم بالظلم دون حاجة لوسائل الإعلام المركزية، وفي هذا التحول من المركزية إلى الشبكية يأخذ الجدل مسارا جديدا لا تريد الحكومة والنخب أن تأخذه بالاعتبار، وفي الوقت نفسه فإن مستخدمي التواصل لا يريدون أن يدركوا حدود وفرص التواصل والتأثير الإعلامي والسياسي والاجتماعي.
لقد أضافت “الشبكية” أزمة جديدة وعميقة في الفهم المتبادل بين النخب والجماعات والمجتمعات والأفراد؛ فلم يعد ممكنا التحكم بتدفق المعلومات والسلع، وصار الناس يعتقدون أنهم قادرون على الاستغناء عما تقدمه لهم النخبة المحلية، إذ في مقدورهم أن يتواصلوا مع العالم ويصلوا الى الأسواق والجامعات والمصادر المعرفية، وأن ينشئوا منصاتهم الخاصة للتبادل المعرفي والعملي. فيما ما تزال النخبة تفكر أن في مقدورها صياغة الاتجاهات والأفكار لدى المجتمعات والجمهور ورواد المدارس والمساجد، كما كانت الحال قبل الإنترنت.
لكن تتكرس اليوم حول الشبكية وعلى نحو لم يستوعب بعد استيعابا كافيا قيم جديدة تبدو متطرفة للحرية والمساواة، ففي حين أخذت العدالة معناها من التنافس العادل على اللامساواة، فإن مشاعر قوية بالمساواة تسود اليوم على نحو مخالف للفهم التقليدي والسائد للعدالة، بمعنى الرفض المطلق أو الفوضوي للتنافس العادل ليكون الناس متساوين تماما، وهذا يبدو حتى اليوم مستحيلا، كما تمارس الحرية أيضا على نحو مطلق وفوضوي، فالقدرة والسهولة التقنية للبث والنشر أطلقت بلا حدود أعمال التعبير والنشر، وصار كل شيء قابلا للنشر بالنص والصوت والصورة بلا حدود ولا قواعد.
لقد اتسع مفهوم الحرية ومطلبها حتى صار محركاً وملهماً للأفراد والمجتمعات، وتحتاج الأمم اليوم (السلطات والمجتمعات والأفراد) أن تفكر وتعمل معا لأجل الوصول إلى تنظيم جديد للعلاقات بين الفئات والطبقات والتعبير عن المصالح والمطالب والتأثير في السياسات والتشريعات والقرارات، ولم يعد ممكنا أن يستمر التنظيم الاجتماعي والأخلاقي المستمد من مركزية الدولة، ذلك أنها تنظيمات وقواعد كرستها “المطبعة” بما هي أداة يمكن تنظيمها مركزيا، وأما العقد الاجتماعي المتشكل حول الشبكة، فإنه لم يعد يمنح المركزية السابقة للسلطات والنخب حتى لو كانت سائدة وراسخة لقرون طويلة، إذ تتساوى اليوم في الشبكة السلطات والمؤسسات الكبرى مع الأفراد العاديين.
والطريف جدا أن أزمة الشعور بالعدالة اتخذت واحدا من عناوينها تشغيل مواطنين للعمل الحكومي من خلال فيسبوك، وكأن النزاع ليس فقط حول فرص التوظيف لكن أيضا حول الشبكة نفسها!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock