أفكار ومواقف

الشفافية تنوير وتأثير

بين التعتيم والشفافية في الأردن هوة كبيرة، فعندما تُكتشف حالة فساد – مثلاً – ويؤكدها التحقيق الأولى وتُحول إلى القضاء المدني أو العسكري، تبدو وكأن القضية انتهت وليس للمواطنين علاقة بالموضوع، فلا يتابعها الرأي العام ولا يتكلمون عن الفاعلين، ولا يتابعون سير القضية في المحكمة حتى وإن كانت فسادا بمئات الملايين كما في قضية الدخان، وكأن المحاكمة سرِّية، ولا يختلف الأمر كثيرا عن ذلك في حالات الاعتداء على الأطباء والطبيبات في المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية، والاعتداء على المعلمين والمعلمات في المدارس حيث يُقصر الخبر في كل مرة على الاعتداء والمعتدى عليه دون ذكر اسم المعتدي ودوافعه.
وهو عرف أردني يخالف جميع الأعراف المرعية في العالم، وبخاصة في أميركا وأوروبا حيث تقتضي الشفافية بتعريف الناس كثيراً من التفاصيل عن القضية قبل المحاكمة وفي أثنائها، بما في ذلك أسماء الفاعلين / المتهمين وصورهم، الذين تُعاد إلى الأبرياء منهم فيما بعد حقوقهم المادية والمعنوية كاملة، ويحتفون بذلك.
يقتضي مبدأ الشفافية والحق في المعرفة إطلاع المواطنين على سير المحاكمات العلنية وبحيث يتاح للناس ولوسائل الإعلام حضور وقائع الجلسات ونقل مجريات كل جلسة حرفيا.
يريد الناس أن يعرفوا كل شيء عن القضية العامة التي شدتهم أو استفزتهم، وأن يتابعوا كل جلسة وأن يقرؤوا الجرائد صباح كل يوم للاطلاع على إفادة فلان أو شهادة علان، وأسئلة ومداخلات الادعاء والدفاع، وإدارة القاضي أو القضاة للمحاكمة.
من خلال هذه المتابعة يعرف المواطنون تفاصيل عملية الفساد أو الجاسوسية أو الخيانة العظمى، وألاعيب الفاسدين والخونة والجواسيس والمجرمين، وعن أخلاقهم التي بررت لهم الفساد أو الخيانة أو ارتكاب الجريمة، وبهذه المعرفة يستعدون نفسياً وقانونياً لقبول الأحكام نوعاً وكماً.
بالشفافية تتعزز الثقة عند المواطنين بالنظام، وبالقضاء. كما تكسب الحكومات ثقتهم ويلحق العار بالفاسدين والخونة والمجرمين. وتردع الشفافية غيرهم عن الفساد أو الخيانة أو الجريمة.
وتؤدي الشفافية إلى جعل الأجهزة المعنية وبخاصة أجهزة الرقابة والتدقيق والقضاء أكثر كفاءة، والمواطنين أكثر سروراً أو سعادة بالعدالة، وإلى قطع دابر الإشاعات أو كيل الاتهامات للأبرياء. أما غياب الشفافية فيؤدي إلى العكس: إلى استمرار الإشاعات والشك وعدم الثقة وإلى تصفير (من صفر) الرصيد.
أما الخسارة الأخرى لغياب الشفافية في مثل هذه الحالات فانعدام ثقة المستثمر في القانون والقضاء والنظام العام، فلا يستثمر، أو لا يوسع استثماره القائم في القطر، أو يديمه فيه.
لقد كشفت الدرامات والاستبانات في أميركا عن الفساد عن ستة عوامل رئيسة له، وهي:
(1) سلوك الرؤساء في الدائرة أو الشركة، وهو العامل الرئيس أو المادة الفعالة في الفساد (2) وسلوك أحد الزملاء في الدائرة أو الشركة (3) والممارسات اللا-أخلاقية للإدارة في الدائرة، أو الشركة، أو الصناعة، أو النقابة أو المهنة (4) والمناخ الأخلاقي السائد في المجتمع (5) والسياسة الرسمية للدائرة أو الشركة.. أو لغيابها (6) والحاجة المالية للفرد، وهي أضعف العوامل في تحريك الفساد.
لعل أخطر حالة من حالات الفساد ليس فساد السلطة أو الإدارة أو المال أو القضاء فقط ، “وإنما فساد المجتمع نفسه، ويكون عند فقدان الجميع فيه إحساسهم الشعور بالذنب”، وكأن كل واحد منهم فيه يقول لنفسه: افسد تَسْعد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock