;
آخر الأخبار حياتناحياتنا

الشقيقتان عيدة وحمدة الزعبي تخطان “حكايات شعبية من الرمثا”

عزيزة علي

عمان- أربع وثلاثون حكاية شعبية جمعتها وأعدتها الشقيقتان عيدة وحمدة هربيد الزعبي في كتاب بعنوان “حكايات شعبية من الرمثا”، الذي جاء ضمن إصدارات مئوية الدولة الأردنية، وصدر عن وزارة الثقافة، ويهدف الكتاب لحفظ وتوثيق الحكايات الشعبية في لواء الرمثا.
تشير الشقيقتان إلى أن عملية التوثيق للحكايات الشعبية تهدف إلى توثيق الحكايات الشعبية في مختلف مناطقنا في المملكة الأردنية الهاشمية بمناسبة مئوية الدولة الأردنية، للاستفادة منها، وتفعيل دورها الثقافي في خدمة المجتمع المحلي، ورفد المكتبة المحلية والعربية بالنتاج الأدبي الشعبي؛ لما يحمله من جمالية الحبكة والأداء للأفكار والمواضيع والشخصيات المختلفة.
توضح المؤلفتان، في مقدمة كتابهما، أن الحكايات الشعبية هي عشقهما منذ القدم، “فقد أحببنا سماعها من أمهاتنا وجداتنا والمسنين في مدينتنا، كن يروينها لنا في السهرات الحميمية، حول منقل الحطب ودفئه، وقبل النوم، فبقيت عالقة في ذهننا؛ لننقلها لكم اليوم فتحكوها لصغاركم وأحفادكم، فقد سنحت لنا الفرصة أن نلتقي بمجموعة من النساء والرجال في الرمثا، وأن نسمع منهم حكايات توارثوها ونقلوها عن السلف”.
ويستعرض الكتاب أبرز أسماء النساء اللواتي أسهمن في تسجيل هذا الموروث، وهن “والدتنا الحاجة زينب طخشون الياسين الزعبي، والحاجة جليلة عبد الحوامدة، وأختها الحاجة أميرة، والحاجة حسن خميس الزعبي، والحاجة عزيزة مطر حوامدة، وأخريات، كما التقينا بعض كبار السن، وأبناءهم فأحفادهم، ورووا لنا حكاياتهم، فالحكاية الشعبية عمل أدبي، يتم نقله من جيل إلى آخر شفهيا، وهو كالمرآة يعكس الصورة الحقيقية لحياة مجتمع ما، وهو شكل من أشكال الإبداع اليومي، وقد يكون على شكل حكايات قصص شعبية، أو موسيقا شعبية، أو رقص شعبي، أو أمثال وفوازير، وفكاهة وألغاز شعبية”.
وتشيران إلى أن الحكاية بطبيعة الحال، تعبر بمضامينها من خيال وأساطير وخرافة، عن الأخلاق والقيم السائدة بين أفراد المجتمع، ويضيف كل جيل للحكاية ما يرتئيه مناسبا، وربما يحذف منها ما لا يوائمه، فيما يعد المدلول الحديث للأدب الشعبي، أنه يرمي إلى الإبداع والتثقيف بما يحمله من عراقة وأصالة، تحفظ لنا التراث، وأفعال السلف وأعمالهم في مختلف مجالات الحياة؛ للتعرف على نتاج الأمم والأقوام السالفة، الجوانب الفكرية والروحية والاجتماعية.
والأدب الشعبي له خصائص تتميز بالخلود وسهولة الانتشار، والتوارث عبر الأجيال المتعاقبة؛ حيث تسهم في استمرارية الأدب من خلال أسلوب التلقائية وسهولة تناقله، بعيدا عن التكلف والتصنع، والحكايات الشعبية هي عبارة عن قصص تزخر بالخيال الشعبي، وتتناقلها الأجيال شفهيا من جيل إلى آخر، ومن زمن لآخر، ولها دور كبير في تعزيز القيم الإنسانية عند الأجيال المتعاقبة.
وتريان، أن الناس اعتادوا قديما قص الحكاية للضيوف في مضافة المعزب، وللأبناء من خلال الجد أو الجدة في التعليلة مع الجيران، ومع أهل البيت قبل النوم؛ لافتقارهم حينئذ لوسائل الإعلام والترفيه والتواصل، كما يتم تداول الحكايات الشعبية في اللمات والسهرات والزيارات، ويعود أصل الحكايات الشعبية إلى فترات قديمة جدا، وهي تبحث وتتحدث على الأغلب عن قيم إنسانية إيجابية وسلوكيات سلبية؛ بهدف تجسيد وترسيخ الإيجابي منها، ونبذ السلبي المجحف بحق إنسانية الإنسان.
وعند قراءة الحكايات أو الاستماع إليها يوجد تركيز على إبراز البطولات، ونشر المحبة والسلام بين الجماعات وأفراد المجتمع ككل، فضلا عن تعزيز قيم الذود عن الجماعة والوطن، والوفاء والإخلاص، والتضحية وبذل الروح في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل بأسلوب شعبي درامي شيق، كما يوجد في القصة الشعبية خلط بين الواقع والخيال، لذلك تقابلنا أحيانا أحداث غير طبيعية، مثل “حيوانات أو أشجار وأدوات”، مختلفة تتكلم وتتصرف كالإنسان، وتزخر أيضا الحكايات الشعبية التي ورثناها عن الأجيال السالفة بالعبر والحكم.
وتحتوي القصة أو الحكاية على خلاصة تجارب كثيرة على مدى التاريخ، فالحكاية الشعبية في أحد تعريفاتها، هي “شكل تعبيري ينسجه الخيال الشعبي حول حدث مهم، لها شيوع وذائعة الصيت في كل المجتمعات، وفي كل الأمكنة والأزمنة، قد يكون بعضها بسيطا ببساطة المجتمع، وبعضها قد يكون معقدا، والعامل المشترك بين البساطة والتعقيد هو وجود الراوي والمتلقي”، وتوظف الحكايات الشعبية توظيفا أخلاقيا وسلوكيا؛ لأنها تشتمل على الحكمة والدروس الأخلاقية، فكل قصة لها حكمة ونقد في موضوع معين، أو في صراع بين الخير والشر. ودرجت العادة بأن تكون نهاية الحكاية سعيدة، بتغلب الشخصيات الرئيسة على الشر، فالقصة مقتبسة من الواقع ومن العادات الاجتماعية، وأحيانا من نسج الخيال، وهي ثقافة تنتقل من جيل إلى آخر وتعكس البيئة التي يعيشها الحكاء.
وعن تعدد أنوع الحكايات، تقولان “تتنوع مواضيع الحكايات الشعبية، بين الحكاية التاريخية، وحكايات الحكمة والذكاء، وحكايات الإنسان والحيوان، وغيرها من حكايات مستجدة تحدث في مكان وزمن ما، وقد بدأت الدول العربية حديثا بالسعي للحفاظ على التراث اللامادي؛ خوفا عليه ودرءا له من الاندثار وتلاشيه، خاصة في زمن التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي الجاذبة للمتلقي من جيل اليافعين والشباب بشكل لافت”.
فالحكاية تروي شفهيا قصة المكان والزمان المتوارث بين الأجيال جيلا بعد آخر، وترتبط بالعادات والتقاليد، وتكون القصة إما واقعية أو خيالية من وحي الراوي، أو عاطفية كالشعر والنشر وقصص الحب؛ لجذب المتلقي، مع الحفاظ على عنصري التشويق والمبالغة. فالحكاية الشعبية هي عمل أدبي، يتم نقلها من جيل إلى آخر شفهيا، لذا قد تتغير نتيجة هذا التناقل، وهذا سبب تغير الحكاية من جيل إلى آخر، ومن منطقة أو بلد لآخر، إنها نتيجة طبيعية لهذا التناقل الشفوي الدائم.
الحكاية هي نص شبه ثابت؛ أي أن هناك قسما ثابتا وآخر متحولا، يتغير بحسب ظروف الراوي أو العصر الذي يعيش فيه، قد تكون الأحداث واقعية أو خيالية، بشكل نثري أو شعري؛ لجذب انتباه المستمعين أو القارئين، ولا يعرف عادة مؤلف نص الحكاية، وتستند الحكاية لوقائع قد حدثت بالفعل، واكتسبت نوعا من البطولة، وتعد الأدب الشعبي -بفنونه- فرعا من فروع المعرفة الإنسانية، التي تعنى بشتى مظاهر الحياة لأمة من الأمم، وأداة التعبير عن فكرها ومعتقداتها وعاداتها، وعن تفاعل إنسانها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية.
وتقولان إن الحكايات الشعبية المروية ظهرت قبل عصر التاريخ بآماد بعيدة، وظلت الشعوب تتناقلها جيلا بعد آخر، وبذا احتلت موقع الصدارة بين الفنون التي تذوقها الإنسان وعبر فيها عن عواطفه وأفكاره، وخيالاته ونظراته، لذا فهي تفصح عن مضمون العاطفة والفكر، والخيال والرؤية، وليس في الوسع تصور شعب لا حكايات شعبية له.
وهناك أنواع من القصص الشعبية التي يقتضي الحديث عنها، فيجب أن نفرق بين أنواع القصص الشعبية المختلفة، التي يمكن أن تصنف بشكل تقريبي إلى ثلاثة أنوع “الأساطير، وقصص الخوارق، وهي القصص التي تدور حول الأحداث غير العادية، وتتضمن ما يمسى (حكاية البطل)، و(الملحمة النثرية)، والنوع الثالث (الحكايات الشعبية)”.
وتتمثل أهمية الحكايات الشعبية في أنها جزء من معتقدات الشعوب وثقافاتهم وعاداتهم ابتدعها الخيال الشعبي؛ للتعبير عن حكمته وتجربته في تصوير أحداث الحياة، وأساليب المعيشة، وهي تهدف إلى تحقيق أهداف تربوية تعليمية، ونفسية واجتماعية عدة؛ إذ تؤدي دورا مهما في تأمين خبرات حياتية مختلفة، مصاغة في بناء قصصي محكم، زاخر بالعبر والقيم، أضفى عليها الإنسان الكثير من الخيال والسحر والجاذبية، كما تعد وسيلة فعالية، في إثراء اللغة المحلية، وتنمية الإحساس بالجمال، وأداة جيدة لغرس القيم الثقافية المناسبة وترسيخها، وتأصيل العلاقات الاجتماعية الإيجابية، والمحافظة على الموروث الجماعي، ونقله إلى الأجيال، إضافة إلى دورها في الإمتاع والتسلية والترفيه.
وعن أهم عناصر الحكاية الشعبية التي تتمثل في الموضوع أو الفكرة الرئيسة، والحدث، والبناء، والحبكة، والشخصية، والأسلوب، والبيئة الزمانية والمكانية، وهنا يتم تناول الشخصية؛ التي هي عنصر أساس في بناء الحكاية، وشرط رئيسي من شروط نجاحها، وتقدم الحكاية الشعبية أنواعا عديدة من الشخصيات، التي تحمل الكثير من الغنى والتنوع، والشخصية، هي مجموعة الصفات الاجتماعية، والخلفية، والمزاجية، والعقلية، والجسمية، التي يتميز بها الشخص، وتبدو بصورة واضحة، متميزة في علاقته مع الناس، ولعل فاعليتها عبر الأحداث تعكس طبيعة تفاعل الإنسان مع البيئة.
أما الحدث فهو عنصر أساس في الحكاية الشعبية، وبه تتحدد أهميتها، ويتقرر نجاحها، والحادثة الفنية هي مجموع الوقائع المتسلسلة والمترابطة التي تدور حول أفكار الحكاية في إطار فني محكم، وتمثل الحبكة جزءا مهما من الحدث، والأحداث في الحكاية الشعبية، عموما هي تصوير للصراع الدائم بين قوى الخير والعدل من جهة، وقوى الشر والظلم من جهة أخرى، كصراع أزلي، يفضي إلى انتصار الخير والعدل والمثالية، والزمان والمكان الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك الشخوص، وهي البيئة الزمانية المرحلة أو المراحل التاريخية التي تصورها الأحداث، والبيئة المكانية نقصد بها المحيط الجغرافي الذي تجرب فيه أحداث الحكاية.
وخلصنا إلى أن الحكاية الشعبية تبدأ بمقدمة ثابتة عموما، مثل “كان ياما كان في قديم الزمان، أو في سالف العصر والأوان”، لدى جميع الشعوب مع بعض الاختلافات البسيطة، أي لا يحدد فيها الزمان، وكذلك بالنسبة للمكان في الحكاية، الذي لا يحدد غالبا، إن رواية الأحداث وما مر بالإنسان من ظروف، ونقلها شفاهة بصورتها الحقيقية، أو بإضافة شيء من الخيال إليها، ظاهرة موجودة منذ فجر التاريخ، وهذه هي الحكاية التي في الأساس تعد محاكاة للواقع الذي يعيشه الفرد، ونقله بصورة حكاية، غير أن مصطلح الحكاية الشعبية حديث نسبيا، وضعه علماء الأدب ليميزوه عن الأنواع الأخرى من فنون التعبير الأدبي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock