منوعات

الشهادة الجامعية والزواج والإنجاب “ليست معايير للنجاح”

منذ أن أصبحت عبارات مثل “افشل مرة أخرى لكي تتقن الفشل” التي كتبها الأديب الأيرلندي صامويل بيكيت، تتردد على مسامعنا بين الحين والآخر في عالم الأعمال والشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا، ترسخت في الأذهان فكرة أن طريق النجاح يبدأ بالفشل.

وتسربت الفكرة نفسها إلى الأدب، ولا سيما أدب المذكرات والسير الذاتية. وأفرد الروائي النرويجي كارل أوف نوسغارد، كتبا عديدة عن الإخفاقات في الحياة اليومية، ومنذ ذلك الحين، طفق الكتّاب والروائيون يكتبون قصصا خيالية وغير خيالية عن الفشل والإخفاق.

وكتبت إليزابيث داي، في مذكراتها “كيف تفشل: كل شيء تعلمته من الإخفاق في تحقيق الأهداف” ما يحدث حين تتوالى عليك المحن والإخفاقات، وكيف توظف الفشل لصالحك. والمفارقة أن هذا الكتاب حقق نجاحا مدويا، ما دفع البعض إلى انتقاد عوامل الفشل في حياة الكاتبة، ولا سيما أنها أديبة وكاتبة مقالات لامعة وحققت نجاحا باهرا في جامعة كامبريدج المرموقة.

وقد ردت داي بالقول: “لا أنكر أنني أعيش حياة رائعة، لكن هذا لا يعني أنني لم أواجه أوقاتا عصيبة في حياتي، مثل الطلاق والإجهاض والإخفاق في إنجاب أطفال”. ويناقش كتاب داي كيفية التعلم من الإخفاقات. وتقول داي إنك قد تختار أن تقبل الفشل وتتصالح معه.

وتقول داي، التي قررت أن تبث برنامجا إذاعيا عبر الإنترنت: “إن الاستماع للصعوبات التي واجهها الأشخاص الناجحون في مسارهم المهني، يبعث على الأمل. ولهذا فكرت في أن أناقش مع الناس عيوبنا التي تقودنا للفشل”.

وترى داي أن الرجال والنساء ينظرون للفشل بطريقة مختلفة، لكن تأثير الفشل بشكل عام يتوقف على رد فعلك حياله. وتقول إن التجارب البائسة لا ينبغي أن نسقطها من ذاكرتنا، لأن الحياة هي تركيبة من الأحداث الحزينة والمبهجة، وتضيف: “لقد تعلمت من الفشل أضعاف ما تعلمته من النجاح. ومن رحم الأزمات، يولد اليقين ووضوح الهدف، وأحيانا صفاء النفس”.

تقول إليزابيث داي، الكاتبة ومقدمة برامج إذاعية عبر الإنترنت: “بإمكاننا التعلم من إخفاقاتنا”
وينظر بول دولان، كاتب وباحث، للهوس بقصص الفشل بطريقة مختلفة، ويعارض تسمية الأشياء بغير مسمياتها لإرضاء تطلعات الآخرين، ويرى أن العلاقات العاطفية، على سبيل المثال، إذا دامت 15 عاما ثم انتهت بالانفصال، فهذا لا يعد إخفاقا.

وفي كتابه الأخير، “النهاية السعيدة: الهروب من أسطورة الحياة المثالية”، يتناول دولان بعض الأكاذيب الشائعة عن مصادر السعادة، ويرى أن ثمة طرقا أخرى لتحقيق السعادة الدائمة. ويقول إنه ليس من الصواب أن يكون الزواج والتخرج في الجامعة والإنجاب هي مؤشرات النجاح، إذ تشير الإحصاءات إلى أن النساء اللائي لم يتزوجن ولم ينجبن أطفالا هن الأكثر سعادة بين النساء، ويعيشن لسنوات أطول من نظرائهن من النساء. وبالتالي، فإن النجاح لم يعد قرين السعادة.

وقررت كل من إيميلي ماكميكان وأنابيل ريفكين، كاتبتين في موقع “ميدالت”، ومؤلفتي كتاب “أنا على ما يرام”، التركيز على الجوانب الحقيقية لحياة المرأة دون خجل من عيوبها، بعد أن سئمتا الصورة المثالية للمرأة في الإعلانات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

وكتبت بيروني جوردون، كاتبة الصحة النفسية الشهيرة، عن الأسباب التي قادتها للتحدث عن عيوبها ونقائصها في كتبها. وتشجع الشباب في كتاباتها على تقبل الذات على علاتها، وعدم عقد مقارنات مع الآخرين، لأن المقارنة تسرق السعادة، على حد قولها.

طالما شغلت مسألة التغلب على الصعوبات حيزا كبيرا من الاهتمام، ونسج حولها الكتاب والروائيون قصصا ومسرحيات، من أساطير إيكاروس وسيزيف، إلى أبطال مسرحيات شكسبير الذين قادتهم خصالهم الذميمة إلى السقوط.

واستلهم الروائي الفائز بجائزة مان بوكر، لازلو كرازناهوركاي، روايته “سيوبو هناك في الأسفل”، من فلسفة “وابي سابي” اليابانية، أو مفهوم الجمال في النقصان وعدم الكمال. وصور كرازناهوركاي الإخفاق في روايته، كموضوع مبهج جماليا.

وقد تصبح العيوب والإخفاقات مادة خصبة للكوميديا، وشاع ضرب من الكتابة الأدبية يسمى الكوميديا التراجيدية، ويقبل الناس حول العالم على مشاهدة كوميديا الأخطاء، كما يستند الهجاء بشكل عام إلى الفشل. واشتهر الروائي سام ليبسايت بسخريته المرة من عيوب البشر. وتدور أحداث روايته الأخيرة “هارك” حول حياة معلم روحي، ودائرة تلاميذه المقربين، من بينهم فراز بينزيغ، الذي تثير عيوبه الشفقة.

ويقول ليبسايت عن العيوب إنها تثير الضحك والألم في آن واحد. فقد يحلو لنا أن نضحك ونتندر على الهوة الشاسعة بين تطلعاتنا وإمكانياتنا. وهذا اعتراف بعجزنا البشري”.

ويقول ليبسايت، إنه استلهم شخصية فراز من مجموعة من الشخصيات، منهم هو نفسه وصهره والقديس توما الحواري. ويواجه فراز وسائر الشخصيات في الرواية مواقف وظروفا صعبة عديدة. ويقول: “إن الفشل جزء أصيل من الحياة”.

ويضطر الأبطال طوال الرواية للتنازل عن مبادئهم لمواجهة المشاكل، ويقول ليبسايت: “لا شك أن التنازل جزء من الطبيعة البشرية، فالبعض يقدم تنازلات لأزواجهم وشركائهم للحفاظ على الوئام”.

وعن مزايا الفشل وخيبة الأمل، يقول ليبسايت: “أعتقد أننا نتعلم من أخطائنا أكثر مما نتعلم من نجاحاتنا. ربما لأنها تترسخ في ذاكرتنا. لكن المهم ألا نصنف التجارب على أنها ناجحة أو فاشلة، فإن أغلب التجارب التي نمر بها تنطوي على سلسلة من النجاحات والإخفاقات”

ويقول ليبسايتإن الأسطورة الأكثر تعبيرا عن الفشل هي أسطورة سيزيف الإغريقية، الزاخرة بالعبثية والفشل والحماقة، إذ عوقب عقابا أبديا برفع الصخرة إلى قمة الجبل لكنه كلما اقترب من القمة تتدحرج مرة أخرى إلى السفح. وقد جلب سيزيف لنفسه هذه المشقة السرمدية بسبب الغش والخداع.

ويرفض ليبسايتفكرة صناعة النجاح. ويقول: “أرى أن العمل الشاق كثيرا ما يؤتي ثماره بطرق قد لا تخطر لنا على بال، لكن ليس ثمة ضمانات للنجاح”.

ويرى أن وضع أهداف مثالية يصعب تحقيقها ينطوي على الكثير من خيبة الأمل والقلق. لأنك إن أخفقت في تحقيقها، ستعتقد أن تفتقد للمهارات الكافية أو أنك لم تبذل المجهود الكافي. فإن فكرة صناعة النجاح هي مجرد أسطورة. فالنجاح يتوقف على عوامل أكثرها خارجة عن سيطرتنا.

ويقول ليبسايت: “إن مؤشرات النجاح عديدة، ولا يمكن أن نحصرها في النجاح المادي، هناك الكثير من الجوانب الأخرى لكننا لا نلتفت إليها ونحكم على أنفسنا بالتعاسة بمقارنة أنفسنا بغيرنا والندم على ما فاتنا أو خسرناه”.

ورغم ذلك يشجع ليبسايت على الطموح، ما دام المرء يسعى إلى إرضاء ذاته بأعمال إبداعية أو بتحسين جودة حياة الأخرين أو الانخراط في أنشطة إيجابية.

وعندما سئل عن أسباب استمتاع الناس بقراءة قصص الإخفاق البائسة والشخصيات المليئة بالعيوب، قال إنهم يقرؤونها بدافع الشماتة أولا ولأنها تعكس حياتهم الخاصة. فكلنا مررنا بتجارب بائسة، ولا يوجد أحد خال من العيوب. bbc

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock