أفكار ومواقف

الشهداء لا يلبسون الأكفان!


لم تكن عرائس ملونة وضاحكة، ولا دفاتر للرسم، أو ألعاباً وحلوى، بل آلاف الأكفان الصغيرة للأطفال، .. تبرعت بها جهة “متضامنة” مع المحاصرين في غزة!


ذلك أنه تحت هذا الصخب والهتاف وشعارات التضامن العالية لا أحد يدقق في حمولة الشاحنات والسفن ولا أحد يعتب على أحد!


ففي حضرة القصيدة المبحوحة لا أحد يتوقف عند الخطأ النحوي!


كما في العرس لا ينتبه المغنّون للخيط المنسول في فستان العروس!


والممرضة لا تعبأ كثيرا بقناة التلفزيون أو سلك الهاتف في غرفة المريض الموشك على نهايته .. لذلك لم يتوقف أحد عند آلاف أطنان الأدوية التي اكتشف مسؤولون في غزة أنها منتهية الصلاحية!


من يسأل في المظاهرة إن كانت الهتافات قديمة ولا تصلح للأكل؟!


لأن بعض الذين ينظمون رحلات التضامن، وسفن كسر الحصار يفكرون بالدرجة الأولى في التخلص من الواجب الثقيل، ومن المهمة التي تجعلهم على رأس عملهم: أبطالاً في بلادهم!


يخوضون الانتخابات هناك بثقة، يرفعون الملصقات التي تصورهم مع الجرحى والجائعين والبيوت المهدمة، ويلمعون على شاشات التلفزيون!


تنتهي المهمة بإنزال الصناديق في أرض القطاع، ولا يهمّ إن كانت الوجبة صالحةّ أو كان الدواء فاسداً أو كانت الأغنية مكسورة اللحن!!


ولو كانت الأدوية فسدت على الطرق الطويلة، والمعابر المماطلة، فلماذا لا يجري الاهتمام بها كما لو كانت “صفقات تجارية”؟ أليس أغلى التجارة وأكثرها ربحاً هي التجارة في سبيل الله!!


ولو افترضنا جدلاً أن المعلبات والأدوية فسدت في الشمس، والأغنيات تهدّلت من تعب الحناجر، فهل كانت الأكفان قمصاناً وفساتين ملونةً وحوّلتها الطريق الطويلة أكفاناً شاحبةً؟!


أي قسوةٍ أن يهدي الشقيق شقيقه المريض كفناً!


وهل تلزم الأكفان للشهداء؟


سيهبّ الكثيرون، كالعادة، الآن، للقول إن هؤلاء قاموا بواجبهم، ولهم أجر المجتهد، وربما يصحّ هذا على من خربت الأدوية معهم على ظهور القوافل، ومتون السفن، لكنه لا يجوز أبداً شكر أولئك الذين حملوا للمحاصرين اقتراحاً سافراً بالموت!


وهو ما يذكّر بمن نصح المقاومين في بيروت 82 بالانتحار للخلاص من ملحمتهم .. ولتخليص “المشاهدين” آنذاك من الشعور بالذنب!!


ليس الأمر سهلاً على العائلة التي تشققت روحها من تعب الحصار، أن تفتح كيس المساعدات، لتصدم بالكفن!


وأي أطفال سيكبرون، ويكبر معهم وعي مُجرّح، وهم يرون كيف ينظر لهم العالم ككائنات يسهل خداعها، والتسلق على نكبتها، واستثمار دمها بهذه الطريقة الرخيصة. لكنني لا أتوقع أن يُصدم الفلسطينيون كثيراً بقصة الأدوية الفاسدة .. فهم رغم مرور عقودٍ طويلة لم ينسوا قصة الأسلحة الفاسدة التي هبّت لتخليصهم .. ذات حرب!!


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أنتم الأحرار و نحن القطيع
    يا قلاع غزة ليس لكم كفن
    أنتم أحياء الأمة في آخر الزمن
    فصمودكم خلق لأطفالكم وطن
    ———
    أعيدوا الأكفان لأصحابها يلبسوها
    ليرقصوا بها على قبورهم قبل أن يدخلوها
    ———
    و ليسمعني الجميع
    أنتم الأحرار و نحن القطيع

  2. واقع مرير .
    "وهم يرون كيف ينظر لهم العالم ككائنات يسهل خداعها، والتسلق على نكبتها، واستثمار دمها بهذه الطريقة الرخيصة. لكنني لا أتوقع أن يُصدم الفلسطينيون كثيراً بقصة الأدوية الفاسدة .. فهم رغم مرور عقودٍ طويلة لم ينسوا قصة الأسلحة الفاسدة التي هبّت لتخليصهم .. ذات حرب!!"

    لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

  3. ادويه فاسده يعني ضمائر فاسده
    سيدي الكريم اتيحت لي الفرصه لمشاهدة المقابله مع مسؤول الصحه الفلسطيني على قناة الجزيره الاخباريه واقول يا ليتها اقتصرت على الاكفان فالكفن لا يرعب الا من كان يخاف الموت وأهل غزه ومن هم على شاكلتهم مشاريع شهاده لا تخشى الموت .ولكن الشيء المخزي في الموضوع ان الادويه التي تأتيهم من اشقاءهم العرب ولقد قال بالحرف الواحد :عتبنا على اخواننا العرب انهم يتخلصون من الادويه الفاسده بإرسالها لأهل غزه.
    ولم يسمي اية دوله عربيه حفاضا على ما يسمى في العرف الاشقاء العرب .يا سيدي من ضمن ارساليات الادويه تلك كانت مطاعيم انفلونزا الخنازير(TAM FLU)والتي تورطت الدول العربيه في دفع اثمانها لشركات الادويه بالخاوه.لم ولن يحتاج اهل غزه الا الى صفاء الضمائر ونقاءها قبل صفاء الادويه ونقاءها.

  4. وأي تجارة أسهل … ؟
    لو أننا نحترم عقولنا بعض الوقت ونرى بموضوعية وعقلانية الذي يحدث في غزة من تجارة الموت التي يقودها مورد يحتاج لمقابلة تلفزيونية وبرنامج حواري و مستورد يحتاج لفوضى وضوضاء الإعلام كي يستمر بالحكم.

    دمت بود أخ إبراهيم

  5. نريد وعيكم وتفهمكم فقط
    أؤكد على ما ورد في مقالة إبراهيم الرائعة، وذلك من منطلق وظيفتي التي كانت تقتضي مني التحقق من شحنات المساعدات التي تصل للأراضي الفلسطينية، أحيانا تكون عبارة عن ملابس لا تصلح حتى لاستخدامها كممسحة، أدوات مطبخ غير مطابقة للمواصفات وغير صحية، أغذية توشك على نهاية صلاحيتها أو انتهت بالفعل، حبوب ينخرها السوس والحشرات، ولكن مع ذلك نؤكد على شكرنا وتقديرنا للمخلصين من الشعوب العربية الشقيقةالتي كانت صادقة بحق في رغبتها للمساعدة، ولكن المشكلة هي مع بعض الجهات القائمة على تسيير قوافل المساعدات والتي كل همها هو توظيف هذه الجهود لما يخدم أهدافها داخل بلدانها ومنهم من يبحث عن الشهرة وإثارة المشاكل أو لأغراض الانتخابات ، وهذا ليس من باب الشق على قلوب الآخرين، بل من نتائج أنشطتهم، إذا كان هنالك حقا من يحتاج مساعدات غذائية وألبسة من الشعب الفلسطيني فليست هذه الوسيلة الصحيحة لإيصالها، ولا داعي للضجة الإعلامية، على سبيل المثال الهيئة الخيرية الهاشمية ترسل قوافل مساعدات على مدار السنة وبالكاد يرد ذلك كخبر في الصفحات الداخلية.
    ما نحتاجه فعلا هو التضامن السياسي الحقيقي وتفهم تفاصيل القضية وتداخلاتها المعقدة بدلا من الاكتفاء بسماع خبر ما دون معرفة ما ورائه أو قراءة مقالة لكاتب لا يعرف شيئا عن القضية إلا بمقدار ما يخدم قراءته المسبقة ، نريد من شعوبنا العربيةأن تعيش الهم الفلسطيني لا التباكي عليه في مناسبات متباعدة، وأن تكتفي هذه الشعوب بشهيد واحد حتى تتحرك، فقد جرت العادة أن لا تتحرك إلا بعد أن يتجاوز عدد الشهداء رقما معينايصلح أن يسموه مذبحة، والمشكلة أن هذا الرقم في تزايد مستمر!! أما المذبحة اليومية المفتوحة فهي غير مكتشفة من قبلهم أو لا يريدون اكتشافها حتى لا تعذبهم ضمائرهم الحساسة
    حاليا أسهل أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني هي سب قيادته ووصفها بأبشع العبارات وتحميلها مسؤولية كل شيء، أما نخبنا المثقفة فليس مطلوب منها إلا أن تنساق وراء دكتاتورية الغوغاء وأن تشحذ قلمها ضد كل من لا يعجبها وكفى الله المؤمنين شر القتال.
    ودمتم بخير

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock