رأي في حياتنا

“الشهد أو الدموع”

“أسامة أنور عكاشة” في مزاج سيئ الآن. كالمقاتل الذي استفاق بعد الحرب. هو نادم، ربما، على استجابته السريعة للموت كبطل لا يخالف فكرة المؤلف الطارئة بإنهاء دوره بعد الجزء الأول.
كان يمكن أن يقاوم الموت حتى العام الفرديِّ 2011، أو للعام المشؤوم 2012، وما بينهما من أعوام وثورات، فهو ناصري عنيد، وكاتب متسلط لا يثق بقدرة الشخوص على استكمال الحياة من بعده. مات استثنائياً بمرضه العاديِّ في شهر الثورة الكبرى، ولم يُعطِ أي إشارة، واضحة أو غامضة، على أن عُمْرَ “الحلمية” سيمتد لليلة أخرى.
يمرُّ على مصر عام بلا لون محدد، ونصف عام حسابه في الغياب “عامين وجيل”، قبل أن تنهض الأرض من نومها الإغريقيِّ، وتثور على ثلاثين عاماً. كان “عم أسامة” قد أنجز الجزء الثاني من حكاية قديمة أعاد عند روايتها القصة من أولها: عمدة خفيف القلب، وأمٌّ متسلطة كحُكْم النساء، وزوجة تركية مهما أصابتها شمس النجوع، فإنها ستظلُّ حتى اكتمال سمارها “المصراوية”. سيذهب “عكاشة” إلى موته البطيء، ولن تستكمل الحكاية الطويلة، في رمضان آخر، ففي شتاء العام الفرديِّ سيحتكر “ميدان التحرير” روايتها بعد “موت المؤلف”!
لن تكون الحكاية واضحة، مثل أيِّ حبكة تبدأ بجريمة، وستجري الأحداث المشوِّقة في “مصر الحديثة”، بالتوازي مع جريان النيل الاعتيادي. يذهب “ريِّس” إلى حبسه، ويصعد آخر إلى الكرسيِّ، وهكذا دواليك، طالما أن التأليف جماعي، ويحدث في خيمة، تقع في “ميدان”.
وهكذا أيضاً لن يجرؤ مشاهد من “حزب الكنَبَة” على توقع ما سيحدث في “الثورة” الأخرى، حتى “اسماعيل عبد الحافظ” سيضجر من “لا منطقية الأحداث”، ويفضِّل أن يلحق بـ “عكاشة” بعدما استنكف كلُّ روَّاد “مقهى الحلمية” عن أداء أدوارهم، وصار الهامشيُّون أبطال الأخبار العاجلة!
لو كان “عم أسامة” جالساً الآن، في بيته الاسكندراني العالي، يطلبُ ورقاً أبيض، ليستكمل حكاية ما، فلن يكتبَ بحبره الأزرق أكثر مما يكتبه كاتب خذله الوحي، فكلُّ الخيوط هربت، وتعقدت في الميادين، والأبطال اختاروا أقدارهم بموت كريم. لا شيء على حاله منذ أن كُسر كرسيُّ “الأرابيسك”، فـ “الشهد” اختلط
بـ”الدموع”، والبحر لم يقل شيئاً مفيداً، والصباح الذي أدركَ شهريار ملتبس، و”رحلة أبو العلا البشري” توقفت في “القاهرة 2000، لا شيء واضحاً سوى أن “الدماء على الإسفلت”، و”الراية بيضا”!
مات “عم أسامة” قبل ثورتين، و”ما يزال النيل يجري”، خارج “الحلمية”، ولا ضرورة لليلة أخرى في جزء سادس، فأغلب الظنِّ أن “سليم باشا” قد أصيب بـ “الزهايمر”، و”العمدة سليمان غانم” كسره “الديسك” تماماً، والثأر سقط بينهما لـ “اختلاف الزمن”، و”الهوى”، وأحفادهم توزعوا على ثارات “ابريل” و”رابعة”. مات “عم أسامة”، ولا نية صادقة لعودته، حتى يأتي نهار من “اختمار الحلم”، وقد يتأخر كثيراً، وتظلُّ مصر بعيدة مثل “امرأة من زمن الحب”، ففي العين حدقتان لماء واحدٍ “الشهد أو الدموع”!

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock