أفكار ومواقف

الصالون الموسيقي الشرقي

كان الظهور الأول لفرقة الصالون الموسيقي الشرقي مساء الاثنين الماضي على مسرح حليم السلفيتي في بنك الاتحاد بداية واعدة وتبعث على الأمل والتفاؤل في حركة موسيقية عربية رائدة وجميلة، فقد قدم الشباب عبد الوهاب الكيالي (عود) وهمام عيد (قانون) وليث سليمان (ناي) ويعرب سميرات (كمان) وفادي حتر (تشيلو) وناصر سلامة (إيقاع) على مدى ساعة من الزمان أداء جميلا ومتقدما في وصلتين من الموسيقا الشرقية الكلاسيكية من مقامي راست وحجاز، وأعادوا مجموعة من المقطوعات التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ مستعيدين الحركة الموسيقية التي رعاها خديوية القاهرة وسلاطين اسطنبول، وبالطبع فقد تواءمت مع حركة ومبادرات ثقافية وفنية رائدة، ماتزال حتى اليوم تؤثر بعمق في الحياة الفنية والموسيقية العربية والتركية.
قدم الشباب في مقام راست أربع مقطوعات؛ هي شروق لجميل بشير، وسماعي راست لمحمد القصبجي، وسوزناك لسامي الشوا، وحبي لمحمد عبد الوهاب، وفي مقام حجاز قدموا خزان (خريف) وسماعي حجاز لغوكسيل باكتاجير، و”مانديرا/ الربيع” للسلطان عبد العزيز، و “لونجا شهناز” لأدهم أفندي. كما قدموا أيضا مجموعة ارتجالية من العزف والإيقاع.
يحمل عبد الوهاب كيالي (كما يذكر موقع البارومتر العربي) شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة الأميركية، وحصل ليث سليمان على الماجستير في الموسيقا من القاهرة، وأقام فيها تسع سنوات، ويعمل إضافة الى العزف في التدريب الموسيقي في بيت الناي، ويبدو أن الشباب الآخرين متفرغين للعمل الموسيقي، ويقدم غوغل ويوتيوب تجارب وأعمالا جيدة ومتنوعة، وهناك مبادرات ومؤسسات تعمل في هذا المجال
لست مؤهلا بما يكفي لتقييم الحياة الفنية والموسيقية في الأردن والفضاء العربي، لكني ألاحظ كمثقف عام أننا نحتاج إلى إعادة نظر استراتيجية في المناهج التعليمية للمدارس والجامعات وأدوات التأثير والمشاركة في الثقافة والسلوك الاجتماعي لتتحول الموسيقا والفنون والآداب إلى مكون شامل وعام في التعليم والتنشئة والفضاء العام، لأنه وببساطة لا يمكن الارتقاء بالقيم والأفكار والمشاعر الإنسانية من غير فنون جميلة تعمل بعمق وتراكم في حياة الأفراد والمجتمعات، ثم في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تغير الأعمال والموارد والمؤسسات أصبح رأس المال البشري هو المورد الأساسي والأكثر أهمية لاستيعاب هذه التحولات وتوظيفها في تحسين الحياة، والمؤشرات الأساسية والعامة لرأس المال البشري كما تؤكد عليها المنظمات الدولية والمتخصصة تقوم على الإبداع والمهارات المعرفية والصحة.
إن الإبداع بما هو مهارات وقيم معرفية وإنسانية يتحقق في عمليات شاملة لإطلاق قدرات وأفكار الإنسان وخياله، أو هو ببساطة الثروة والموارد المستمدة من الخيال، ولم يعد ذلك هواية جميلة أنيقة، أو قيما تمارسها وتطبقها فئات محدودة من الناس، لكنه قيم ومهارات أساسية يجب أن يتمتع بها كل إنسان، أو يتعلمها كل تلميذ، فلم يعد في مقدور أحد أن يكسب رزقه من غير إبداع، كما أن الفوضى والانتقالية التي نعيشها في المؤسسات والتنظيم الاجتماعي تحتاج إلى رواد مبدعين وخيال حي وعامر يساعدنا في إدارة هذه التحولات.
مؤكد بالطبع أن المؤسسات والأعمال والمبادرات التي تجري اليوم ونراها تتقدم وتتطور سواء في الفرق والمبادرات الفردية والجماعية أو ما تقوم به مؤسسات اقتصادية واجتماعية مثل البنوك وشومان ودارة الفنون، أو ما تقدمه على نحو مؤسسي منظم مؤسسات تعليمية مثل الجامعة الاردنية والمعهد الوطني للموسيقا وغيرهما هي إسهامات مهمة تستحق التقدير، ولكنها يجب أن تعمل في بيئة واسعة وعميقة من القواعد والاتجاهات الاجتماعية والثقافية والعمل التعليمي المؤسسي والمنظم والشامل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock