أفكار ومواقف

الصحافة تقاوم: هل تفعلها مرة أخرى؟

في الوقت الذي تشهد فيه اقتصاديات الصحافة الورقية أزمة تاريخية في طول العالم وعرضه، ومع تناقص أعداد توزيع إصدارات الصحف الكبرى وتراجع الإعلان التجاري وإعلان البعض موتها؛ تقاوم الصحافة وتنتصر لقيم المهنة ودورها في المجتمع، وتحاول أن تعود بشكل أو آخر باعتبارها قوة تغيير كبرى، هذا ما تذهب إليه انتفاضة الصحافة الأميركية هذه الأيام في مواجهة سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب وسلوك الرئيس شخصيا، عبر سلسلة من التسريبات والتحقيقات الجرئية التي تصب المزيد من الوقود على نار الحرب المشتعلة بين الرئيس ووسائل الإعلام والتي بدأها الرئيس نفسه.
سلسلة تسريبات متتالية قدمتها الصحافة الأميركية، وتحديدا صحيفة نيويورك تايمز، باتت وفق بعض الاتجاهات التحليلية تعصف بمستقبل الرئيس، وتشير بقوة إلى احتمالات أن تصل الأمور إلى حد تنحيته. لقد ازدادت المؤشرات التي تدل على أن الأجواء السائدة هذه الأيام تشبه ما كان يحدث في الأيام الأخيرة لعهد الرئيس ريتشارد نيكسون، ومن باب التندر أن آخر زيارة قام بها نيكسون قبل إقالته كانت للسعودية والشرق الأوسط، وقبل سفره أقال مسؤولا أمنيا كبيرا.
التسريبات والتحقيقات المعمقة تتمحور حول تورط الرئيس وصهره جارد باتصالات مع روسيا أثناء الحملة الانتخابية وبعدها أيضا. وفي تطور خطير كشفت “نيويورك تايمز” عن أن ترامب طلب، وبشكل صريح ومباشر، من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي المقال جيمس كومي، إغلاق التحقيق الذي بدأه حول مستشار الأمن القومي ميشال فلاين، واصفاً إياه بـ”الرجل الصالح الذي لم يقم بأي سوء”. الصحافة الأميركية تؤكد أن هذا الطلب أو التهديد المبطن من طرف ترامب هو “تأكيد صريح بمحاولة الرئيس التأثير على وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي الذي فتح تحقيقاً في هذه القضية التي أثارت جدلاً كبيراً خلال الانتخابات”.
هذه المستجدات قد تصبح تمهيداً لإنهاء حكم الرئيس المثير للجدل، قبل أن يتم عامه الأول، خصوصاً إذا تدخل القضاء في التحقيق، حيث طالب العضو الجمهوري بالكونجرس جايسون شافتيز مكتب التحقيقات الفيدرالي بتقديم جميع التسجيلات والمذكرات والملخصات التي يملكها والتي توثق لمحادثات ترامب مع كومي، الذي تمت إقالته قبل أيام. في “نيويورك تايمز” نفسها، وصف كاتب أميركي “ديفيد بروكس” ترامب بأنه غير ناضج وأنه تورط في كشف معلومات سرية للغاية تتعلق بالإرهاب وبتنظيم “داعش” تحديدا لمسؤولين روس خلال لقاء في البيت الأبيض، ليس لأنه عميل للروس، بل لأنه شخص غير ناضج ولا يصلح أن يكون في هذا المكان.
تاريخيا كانت التسريبات الصحفية وكشف الوقائع للرأي العام ممارسة عريقة في تقاليد الصحافة الأميركية، وعليها ترتبت تحولات سياسية كبرى، فتاريخ كسر احتكار الحكومات للمعلومات طويل يعود إلى بدايات انتزاع الصحافة أدوارها المبتكرة، فأشهر وأقدم الإشارات إلى عمليات التسريب قيام (الكسندر هاملتون) العام 1794 بتسريب معلومات للبريطانيين عن معاهدة (جاي) ما دفع إلى غضب الرئيس جورج واشنطن وأدخل البلاد في أزمة سياسية كبرى، وفي العام 1848 قام (جون نوخنت)، وهو صحفي في (نيو هيرالد) بتسريب معلومات مهمة عن معاهدة إنهاء الحرب مع المكسيك في عهد إدارة الرئيس جيمس بولك. وعندما رفض الكشف عن مصادره تم إلقاء القبض عليه واستمر في كتابة عموده الصحفي. وفي الحرب العالمية الثانية تزايدت التسريبات الصحفية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وصولا إلى قضية “أوراق البنتاغون” التي كشفت التاريخ السري لحرب فيتنام، وتُعد الأشهر في تاريخ كشف السرية في تسريبات الصحافة، والتي أوصلت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى المحكمة التي قامت بدورها بالحكم بأن الصحافة قامت بوظيفتها كنائب عن الرأي العام، وصولا إلى تحقيقات وتسريبات ووترغيت الشهيرة.
تقاوم الصحافة ذات التقاليد العريقة في سبيل حماية حق المجتمع في المعرفة، لكنها تقاوم بصعوبة بالغة، وسط بيئة غير مسبوقة من  التضليل وصناعة الأكاذيب، علاوة على الصعوبات الاقتصادية، ربما تفعلها الصحافة مرة أخرى، فالمسألة ليست في الورق بل في الرسالة والمهنية وقيمها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock