أفكار ومواقف

“الصحفيين”.. أي نقابة..؟!

ربما يشير عدم اكتمال نصاب اجتماع الهيئة العامة لنقابة الصحفيين الأسبوع الماضي إلى عدم تحمس الأعضاء للانتخابات جملة وتفصيلاً. ويبدو أن ذلك ينطلق من شك في الجدوى. وفي الحقيقة، يغلب أن تكون المشاركة في اقتراع النقابة لأسباب شبيهة بانتخابات البرلمان –”فزعة عشائرية”، من نوع أو آخر. إنك تذهب لتنتخب لمجاملة صديق مرشح أو تلافي عتَبه، أو انتصاراً لمرشحي “قبيلتك” الصحفية، أو لمجرد الالتقاء بزملاء لم ترهم منذ زمن فتذهب من أجل الاجتماعيات وقضاء وقت في مركز الاقتراع. ليس ثمة برامج مبتكرة، أو جدية – أو إمكانية- لتنفيذ هذه البرامج إن وجدت وتوفرت النية، كما تكشف الخبرة.
ثمة منطق في اقتراح أن نقابة الصحفيين هي الأهم بين النقابات المهنية على الإطلاق – ببساطة لأنها معنية مباشرة بـ”حرية التعبير”، التي هي الأساس في تحديد سوية كل شيء، من المطالبة بالحقوق المهنية والإنسانية، إلى أداء أي مؤسسات، إلى تعريف ماهيّة المجتمعات. وإذا تحرر تعبير الصحافة، فإنه سيحرر الحقيقة التي يحتاجها الجميع، ويكشف الاختلالات، ويحرر الوعي العام ويمهد للمشاركة المدنية في القرار الوطني. إنها الحرية الضرورية لجعل كل الاتحادات والنقابات والمنظومات والمؤسسات عاملة، وإذا كان ثمة مؤشر يصلح لقياس منسوب الديمقراطية وإمكانية تحقيق العدالة والحقوق، وسيادة القانون، فهو شكل الصحافة.
في الأساس، تُعنى نقابة الصحفيين – مثل بقية النقابات- بمصالح منتسبيها، كعاملين لهم حقوق، وترتب علاقاتهم بالمؤسسات ورأس المال، وتحسِّن الخدمات التي يتلقونها، وتحاول أن توفر لهم أعلى مستوى ممكن من الأمان الوظيفي وسبل العيش، لكن ما يميّز نقابة الصحفيين عن باقي النقابات هو السلعة التي يتداولها منتسبوها: المعلومة. وحتى تكون هذه السلعة قابلة للتسويق والاستهلاك، فإنها ينبغي أن تتصف بالأصالة والجِدّة والخلو من الزيف. ويجب أن تكون نافعة وتساوي ثمن الحبر والوقت المنفق على استهلاكها، وإذا وجد الجمهور أن الصحافة لا تزوده بالحقيقة والمعرفة الجديدة، ولا تردد صوته وتمثله في المراقبة وكشف المخالفات، فإنه سيحجم عن استهلاكها ويجدها فائضة، وسيعني ذلك إفلاس المؤسسات الصحفية مالياً، فاختزال الكوادر وتسريح الصحفيين وتوقف التطور المهني. وسيعني ذلك المزيد من تدهور المحتوى الصحفي، فالمزيد من انفضاض الجمهور، فالمزيد من معاناة الصحفيين.
وهكذا، قد يفكر المرء بأن نقابة الصحفيين معنية بنحت المزيد من المساحات لحركة الصحفيين، وإزالة المزيد من الخطوط الحمراء والمحظورات التي تقيد المحتوى وتسطحه وتفقده المعنى والقيمة. وحسب ما نرى في المجتمعات التي تقدّر قيمة الديمقراطية، فإن الصحافة تكون سلطة فعلياً لا اسمياً، لا تتنكب ظهرها بقية السلطات، بل تحسب لها حساباً لأنها الرقيب عليها. وإذا كان ثمة شيء يتحسرون عليه بعد عولمة المعلومة وتعويم الإعلان واختصار كوادر غرف الأخبار والتحرير، فهو أن ذلك يجرد الصحافة من إمكانية أداء عملها الأساسي: الرقابة على السلطات، أو “الصحافة الاستقصائية”.
وبذلك، ينبغي أن تكون نقابة الصحفيين، بالإضافة إلى دورها كجماعة مصالح، جماعة ضغط، تعمل أولاً لتحقيق الحصانة للصحفي من المحاسبة على ذكر الحقيقة، وتساعد على جعل سلعته رائجة وإمكانياته متحققة. وقد يكون من الطوباوية اقتراح منح حصانة كحصانة النواب لمجلس النقابة على الأقل، بحيث يتحرر تعبير أعضائه وقدرتهم على المرافعة نيابة عن الصحفيين لأجل تحريرهم بلا خوف من الإسكات أو المحاسبة.
ثمة إجماع عالمي على دور الصحافة الريادي والأساسي لتطوير الأداء الاقتصادي والسياسي والعلمي والاجتماعي للدول. وسوف تكون نقابة الصحفيين العاملة رأس الحربة في تفعيل هذا الدور لأجل المصلحة الوطنية إذا كانت ثمة نية للتطوير الديمقراطي الحقيقي. ولن تكون هذه مهمة سهلة، وسيكون الاضطلاع بها مسؤولية محفوفة بالمخاطر. وبهذا الفهم، ينبغي أن يكون الترشح للقيادة النقابية تكليفاً لا تشريفاً، وألا يكون الباعث عليه إغراء المنصب كوسيلة للاسترخاء والتعالي، وإنما الرغبة في التعب والتضحية وارتياد الطرق الوعرة.
هذا جزء من الأدوار التي أتصور أن الزملاء يأملون أن تؤديها نقابتهم، ذهاباً إلى حضور المنتسبين اجتماعات الهيئة العامة بأغلبية لإحساسهم بالجدوى ومن مبعث الانتماء لمجتمع مثمر وليس لأجل المجاملة. مع الأمنيات دائماً للنقابة الصحفيين بالتوفيق والقدرة على تحمل المسؤولية كما ينبغي أن تكون.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock