آخر الأخبار حياتناحياتنا

الصداقة الذهبية لكبار السن.. مواقف متينة وصلبة “نحتتها” السنون

ديمة محبوبة

عمان – لا يغيب عن بال الستيني الحاج أبو حسام، والذي أحيل على التقاعد من إحدى المؤسسات الحكومية بعد أن أفنى عمره بها، تلك اللفتة الجميلة والمميزة من أصدقاء عمره.
أبو حسام والد لأربعة شباب، كان يشعر بالحزن حينما ودع زملاء العمل في يومه الاخير؛ لكنه حينما عاد للمنزل ووجد ثلاثة من أصدقاء عمره وطفولته ينتظرونه وبيدهم قالب من الحلوى كتب عليها “العمر المديد يا رفيق الدرب”، شعر بفرحة لا توصف من أعز الناس على قلبه والذين لهم مواقف معه لا تنسى.
كانت هذه اللفتة ذكرى لا تنسى من أصدقائه ورفقاء دربه والذي يعرفهم منذ ما يقارب 48 عاما، قضوا سويا اجمل اللحظات ولديهم ذكريات تشكل عمرا بأكمله بدأت من أيام مقاعد الدراسة واستمرت لأنهم أبناء حي واحد.
في ذلك اليوم، شعر كم كان محتاجا لوجودهم بجانبه، يشاركونه الأوقات المفرحة وحتى المحزنة منها، احتفلوا به بطريقة مختلفة، وخففوا عنه وقع قرار التقاعد من عمله.
يقول أبو حسام “بداية علاقتي بهؤلاء الأشقياء منذ ان كنا صغار نلعب بالحي كرة القدم، وكان والدي صديق مع آبائهم، كذلك والدتي مع امهاتهم، فاستمرت العلاقة طويلا وحافظنا نحن عليها”.
ويبين أنه وصديقه أبو بلال تجمعهما علاقة روحية، واختبرا سويا مواقف عديدة، وكل منهما مستعد ان يفعل اي شيء وكل ما بوسعه ليقف مع صديقه بكل ما يحتاجه ولا يرده خائبًا ابدا، لذلك تبقى العلاقة قوية ومتينة وليست “صداقات مصلحة” تبدأ بسرعة وتنتهي بسرعة كما هو الحال الآن بعلاقات اليوم، كما يقول.
الصداقة هي كنز لا يعوض، وفق ابو حسام، الذي يستذكر مع رفاقه باستمرار اجمل أيام العمر التي لا تنسى منذ الطفولة ومراحل الدراسة والشباب وحتى الزواج وفرحة الطفل الأول والتخرج من الثانوية، والتحاق كل واحد منهم بالجامعة وحتى فرحة الحفيد الأول وجميع هذه المراحل الحياتية بتفاصيلها كانت مع أصدقائه الثلاثة.
ويؤكد أن وجودهم بمواقف عديدة من حياته كانت تظهر بأحيان كثيرة انهم الاقرب اليه من محيط عائلته الكبيرة، إذ كانوا وما يزالون السند الحقيقي له.
وتستذكر السبعينية خالدة عوض سنين حياتها مع صديقاتها والتي بدأت في آخر عامين من المدرسة وأكملا مسيرة حياتهن في الجامعة والعمل في ذات المكان فكن معلمات بتخصصات مختلفة بذات المدرسة.
وتقول “كنا خمس صديقات لا أحد يستطيع أن يدخل بيننا أو بين صداقتنا القوية، وتجمعنا مواقف لا تنسى”.
وبعد تنهيدة طويلة، أكملت: “اليوم بقي من صديقاتي اثنتان بعمر الشيخوخة، بعد ان رحلت صديقتنا عائدة منذ ثماني أعوام، ورائدة منذ خمسة أعوام فكان فقدانهما مؤلما بشكل كبير”.
وتكمل خالدة أنها وحتى اليوم ورغم صعوبة المشي لديها وأمراض العصر ومشاكل الديسك التي ألمت بها، الا أنها تتفق مع أحد أولادها ان يأخذها لبيت إحداهما مرتين في الشهر، ويجتمعن سويا، ويعدن سويًا كل الذكريات بفرحها وآلامها، وهما من يمدانها بالأمل بوجدهما معها، كما تقول.
وتؤكد خالدة أن صديقتهما قمر لم تتزوج لكنها تعد بمثابة خالة وأم ثانية لجميع أبنائها وأبناء صديقاتها، حتى أن جميعهم ينادونها “ماما قمر” لرقتها ومحبتها وعطفها، مستذكرة بأنها كانت الصديقة المقربة لابنتها ودائمًا تقف معها وتدعمها.
صداقات العمر والتي تستمر لسنوات طويلة، تنعكس ايجابا على كبار السن وتمنحهم الأمل، اذ يجددون الحياة معهم كلما التقوا، يسترجعون ذكرياتهم الجميلة والمواقف التي جمعتهم بحلوها ومرها، رغم كل متاعب العمر والأمراض التي ألمت بهم..
ويفتخر كبار السن أمام الأبناء والأحفاد، بهذه الصداقات المتينة التي استمرت معهم طويلًا، ودائمًا ما يتحدثون أمامهم عن اجمل المواقف والذكريات ويعطونهم العبر والحكمة، وكيف تكون الصداقة حقيقية، وقد لا تشبه بمتانتها تلك التي يختبرونها اليوم.
“العلاقات الجميلة والصداقات القديمة، والتي من الممكن أن نسميها بالصداقات الذهبية لعمرها الطويل ومتانتها”، وفق اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع.
ووفق جريبيع، فإن هذه الصداقات لا تأتي بمحض الصدفة أو بقرار أخذ في وقت ما، بل هي علاقات صقلت وتشكلت لتصبح قوية وصلبة، وجذورها راسخة لا يمكن تحريكها أو تغييرها.
ويرى أن العلاقات القديمة أو الصداقات التي مر عليها سنوات طويلة، اعتمدت على وجود الشخص في المكان ذاته والتشابه بالحالة الاجتماعية، المادية والنفسية كذلك، بعيدا عن “بهرجة” الحياة التي يعيشها الفرد اليوم أو صداقات تبدأ وتنتهي داخل الفضاء الالكتروني والشبكة العنكبوتية.
وأكثر ما يظهر على بعض الصداقات اليوم، وفق جريبيع، هو التواصل فقط عبر “السوشال ميديا” وتلك ليست علاقات حقيقية تبين معادن الاشخاص بالمواقف الصعبة، مؤكدا أنها ممكن ان تنتهي بيوم وليلة ولخلاف “سطحي”، لأنها لم تبنى بشكل متين وحقيقي.
ويلفت جريبيع إلى أن ما ولد وبني بقوة وعلى أسس ثابتة، يبقى ثابتا وأكثر متانة مع السنين، وما بني على أسس هشة يذهب سريعا ولا يوجد له أي أساس حتى يمكن ان تتحول هذه الأنواع من الصداقات إلى عداوة وكره.
“وجود الأصدقاء في حياة الفرد يعطيه استقرارا نفسيا وثباتا أمام انتكاسات الحياة وخيباتها”؛ هكذا يصول اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة.
ويذهب مطارنة إلى انه وبالرغم من وجود افراد عائلة الشخص حوله، وأهمية مكانتهم، لكن “الصديق هو الشخص الذي اخترنا ان يرافقنا العمر برمته، ليصبح الاقرب روحيا للفرد في الانتكاسات والنجاحات”، حتى أنه يؤتمن على كافة الأسرار، ولا يحاكم صديقه لمجرد الاختلاف بالرأي او يتخلى عنه عندما يصدر منه شيء ما.
ويخص مطارنة بالذكر، صداقات العمر الطويلة والتي استمرت مع الاشخاص لسن متقدم، إذ يكونون السند والدعامة النفسية في كافة المواقف الحياتية.
ووفق مطارنة، فإن كبار السن، يستذكرون مع رفاقهم بكثير من الأوقات، بطولات الشباب وشقاوةاالطفولة، والعلاقات العاطفية التي مرت عليهم، وأحيانا معاركهم سويا، ما يجعل الروح تنتعش لتلك الذكريات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock