أفكار ومواقف

الصداقة المستحيلة..!

علاء الدين أبو زينة

صادف الجمعة، الثلاثون من تموز (يوليو)، اليوم الدولي للصداقة. ويقول موقع الأمم المتحدة في تعريف هذا اليوم وغاياته: “يواجه عالمنا عديد التحديات والأزمات وعوامل الانقسام — مثل الفقر والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وغيرها كثير— التي تعمل على تقويض السلام والأمن والتنمية والوئام الاجتماعي في شعوب العالم وفيما بينها. ولمواجهة تلك الأزمات والتحديات، لا بد من معالجة أسبابها الجذرية من خلال تعزيز روح التضامن الإنساني المشتركة والدفاع عنها، وتتخذ هذه الروح صورا عدة، أبسطها: الصداقة .
“ويمكننا من خلال الصداقة – بتراكم الروابط وتقوية علاقات الثقة- أن نسهم في التحولات الأساسية الضرورية لتحقيق الاستقرار الدائم، ولنسج شبكة الأمان التي من شأنها أن تحمينا جميعاً، واستشعار العاطقة اللازمة لعالم أفضل يتحد فيه الجميع ويعملون من أجل الخير العام”. (انتهى الاقتباس)
لا عيب في الأفكار التي يعبر عنها “يوم الصداقة العالمي” والأهداف التي يتوخاها. لكن هناك فصاماً بائناً في التفسير الدولي للصداقة والسلام والتضامُن بين الشعوب. وظهر ذلك مؤخراً في اتجاه اللجنة الأولمبية الدولية إلى معاقبة اللاعبين العرب الذين انسحبوا من نزالات مع ممثلي الكيان الصهيوني، على أساس أن انسحابهم يتعارض مع فكرة السلام والتضامن التي تقوم عليها الألعاب الأولمبية، وينطوي على تمييز غير مقبول.
كان يجدر بالهيئات الدولية والرياضية أن تستثني من مناسباتها أي ممثلين رسميين لكيان معروف قانونياً بأنه يمارس احتلالاً غير مشروع، وتمييزاً على نطاق يرتقي، حسب منظمات دولية و”إسرائيلية”، إلى الأبارتيد. وقد استهدف الكيان الصهيوني الرياضيين الفلسطينيين، حتى وصل الأمر إلى إصابة لاعبي كرة القدم في أقدامهم أحياناً لحرمانهم من ممارسة اللعبة. وعلى أي مستوى ينتمي إلى الأخلاق، لا يجدر السلام والتضامن وعدم التمييز عندما يتعلق الأمر مع كيان احتلال، بتعريف الأمم المتحدة نفسها.
بالتأكيد، ينسحب الأمر نفسه على المشاركة في تجمعات أو أنشطة أو مؤتمرات يشارك فيها أشخاص بصفة تمثيل الكيان الصهيوني. وينبغي التمييز بين هؤلاء وبين يهود آخرين نأوا بأنفسهم عن الكيان واستنكروا سياساته واختاروا ألا يقيموا على أرض أو في بيوت سُلبت من أصحابها الفلسطينيين. وحتى لو كان القادمون من كيان الاحتلال متعاطفين، ظاهرياً، مع القضية الفلسطينية، فإنهم في النهاية يجيئون تحت علم كيان الاحتلال، ويستخدمون بلا شك أملاك الفلسطينيين –ويغلب أن يكونوا قد خدموا في جيش الاحتلال ومؤسساته، وهم بالتأكيد أجزاء في بناء تكوين عمله، بغض النظر عن تنويع مكوناته، إنهاء فرصة الفلسطينيين في الحرية والوطن –والوجود ما أمكن ذلك.
لا يمكن أن تنشأ صداقة، وتضامن، بين الفلسطيني وأفراد مشروع الاستعمار الاستيطاني في وطنه، ولا ينبغي أن تنشأ صداقة أو تعامل عربي مع أي شخص يقدِّم نفسه تحت يافطة هذا المشروع، وليس من المفروض على المستوى العالمي، أن يُعامَل الكيان وممثلوه بصداقة وتضامن. كانت مصادقة كيان الاحتلال هي التي جنبته العزلة وشجعته على مواصلة سياساته الاستيطانية العدوانية الإقصائية المتعارضة مع الحرية والحق وكل قيمة إنسانية، بدل أن تجعله إنسانياً.
بالنسبة لي، حل الروائي البريطاني، إي. إم. فورستر، مسألة الصداقة مع المنتمين إلى الكيان ومؤسسته، حين أوضح ببلاغة طبيعة الأمور بين المستعمِر والمستعمَر في ختام روايته الشهيرة “الطريق إلى الهند”. ولا أملّ من تكرار ذلك المشهد كلما حاول أحد تبرير “الصداقة” مع أفراد الكيان بذرائع السلام والعيش المشترك ومحاولة التأثير على الكيان عاطفياً.
في ذلك المشهد، يتحاور عزيز، الهندي، مع فيلدنغ الإنجليزي الموجود في الهند مع مؤسسة الاحتلال، ولو أنه يبدو متعاطفاً مع الهنود. ويقول عزيز:
“لقد سئمنا من الإنجليز. هذا أكيد. اخرجوا من هنا يا جماعة، وبسرعة. ربما نكره بعضنا بعضا لكننا نكرهكم أكثر. إذا لم أخرِجكُم أنا، أحمد سيفعل، كريم سيفعل، حتى لو بعد خمسين-خمسمائة سنة، سوف نتخلص منكم. نعم، سوف نلقي بكل إنجليزي بغيض في البحر. عندئذ… سوف نكون أنا وأنت أصدقاء”.
“لماذا لا نكون أصدقاء الآن”؟ قال الآخر، وهو يحتضنه بمودة. “هذا ما أريده أنا. هذا ما تريده أنت”.
لكن الخيول لم ترِده، فابتعد الحصانان مُفترقَين؛ والأرض لم تُرده، فأرسلت صخورها لتضيّق الطريق فيعبُرَ الرّاكبان فُرادى؛ والمَعابد، والخزّان، والسجن، والقصر، والطيور، والجِيَفة، وبيت الضّيافة… كلها لم ترِده. كلها هتفت بأصواتها المائة: “كلا، ليس بعد”، والسماء قالت: “كلا، ليس هنا”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock