أفكار ومواقف

الصدامُ الكبيرُ وخياراتُ الأردن

“فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَقَدَ اللهُ مِيثَاقاً مَعْ أَبْرَامَ قَائِلاً: “سَأُعْطِي نَسْلَكَ هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ وَادِي الْعَرِيشِ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. أَرْضَ الْقَيْنِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ، وَالْقَدْمُونِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّين”.
هذا نصُ سفر التكوين في التوراةِ، وهو المرجعيةُ الدينيةُ التي حددت على أساسه الحركةُ الصهيونيةُ أرض إسرائيلَ الكبرى، وقد طبعتهُ “إسرائيل” الحديثةُ على عُملةٍ معدنيةٍ لها خيرطةً تضمُ بالجغرافيا الجديدة؛ ثلثَ العراقِ، ومعظمَ سورية، وأجزاءَ من لبنانَ ومصرَ والسعوديةَ، وكل فلسطينَ والأردنَ.
أستحضرُ هذا النصَ حتى نخرجَ في تعاطينا مع إعلانِ نتنياهو عن ضمِ غورِ الأردنِ، وكأنهُ عملٌ خارجٌ عن المألوفِ، أو أنهُ نزعةٌ “يمينيةٌ متطرفةٌ” من متطرفٍ عابرٍ أو طفرةٍ “ترامبيةٍ” بفعلِ تشابكِ مصالح ترامب ونتنياهو، أعتقدُ أن ما يحصلُ هو تحقيقٌ لرؤيةٍ صهيونيةٍ هي قلبُ وعقلُ “إسرائيلَ” الحديثةَ، وما ترامب أو أوباما إلا تفاصيل في برنامجِ تطبيقِ تلكَ الرؤيةَ، تتأخرُ حيناً وتتسارعُ حيناً آخر، لكنَها عندهم عقيدةٌ سياسيةٌ دينيةٌ قوميةٌ، هم ماضون في تنفيذها بمثابرةٍ واضحةٍ.
العربُ لم يفهموا الصهيونيةَ أو تجاهلوها، وخدعوا بتغييرِ تلكَ العقيدةِ بوهمِ السلام، وظنوا أنهم قادرون على تحديدِ حدودِ إسرائيلَ بحدودِ الأرضِ التي استولت عليها في الرابعِ من حزيران عام 1967، وقد شاركَ العربَ أغلبُ دولِ العالمِ في هذا الوهمِ، كيفَ لا والأممُ المتحدةُ كانت تعتبرُ الصهيونيةَ حركةً عنصريةً، بموجبِ قرارٍ رسميٍ منذُ عامِ 1975 وحتى عامِ 1991 حينَ اشترطت إسرائيلُ إلغاءَ هذا القرارِ لتشارك في مؤتمرِ مدريدَ!!. العالمُ يتعاملُ مع قضيةِ فلسطينَ باعتبارها إحدى قضايا صراعِ القوى، وضمنَ حتمياتِ اللعبةِ السياسيةِ وتنازلاتها، وقد تنازلَ العربُ عن الكثيرِ حتى صِرنا في معظم الدولِ العربيةِ أمام تحدٍ وجوديٍ كدولٍ وشعوبٍ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُ فقط إلى مواقفَ سياسيةٍ أو إعلاناتٍ ، بل يحتاجُ إلى إعادةِ حساباتٍ إستراتيجيةٍ شاملةٍ.
الأردنُ بقيادةِ جلالةِ الملكِ وقفَ على هذا التغيِرِ الإستراتيجيِ في الصراعِ العربيِ الإسرائيليِ، وقد قادَ الملكُ ومنذُ أكثرَ من سنةٍ مواقف سياسية ودبلوماسية منفردة ومتفردة، في مساندةِ الحقِ الفلسطيني، ولم يعد خافياً دفعُ الأردنِ ثمنَ هذهِ المواقفِ سياسياً واقتصادياً مباشرةً أو بالوكالة، وقد ساهمت تلك المواقف أيضاً في وقفِ الانهيارِ الكليِ للموقفِ العربيِ؛ فجاءَ اجتماعُ الجامعةِ العربيةِ ليحرجَ البعضَ، ويمنعهم من أخذِ مواقفَ منهارة بخصوص تصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ.
قرارُ ضمِ غورِ الأردنِ لا يتعلقُ بأي أرضٍ أردنيةٍ ولكنه قرارٌ يتعارضُ مع المصالحِ الأردنية العليا المتمثلة في وقفِ أي مشروعٍ أو خطةٍ آنيةٍ أو مستقبليةٍ قد تؤدي إلى تفريغِ الفلسطينيينَ من مُدنِهم على حسابِ الأردنِ، وواضحٌ أن هذا الأمرَ لم يعد خياراً مستبعداً عن إسرائيلَ بل هو قيدُ التنفيذِ، وحتى لو لم يكن كذلك، فإنَ علينا كدولةٍ وكشعبٍ إعلانَ يقظتنا ووعينا ورفضنا لهذه الرؤيةِ الصهيونيةِ القديمةِ الجديدةِ.
وأيضاً الأردنُ ليس مجرداً من خياراتهِ وأولُ تلكَ الخياراتِ أهميتهُ في حساباتِ المنطقةِ، فالمساعداتُ العسكريةُ الأميركيةُ ليست شفقةً؛ بل هي تقديرٌ لأهميتهِ في حساباتهم على الأقلِ، والأردنُ أيضاً دولةً وشعباً وجيشاً متماسكٌ موحدٌ في مواجهةِ أي اعتداءٍ على أرضهِ وهويتهِ، وهو أيضاً علاقاتٌ دوليةٌ ودبلوماسيةٌ مهمةٌ، وأخيراً سيكونُ لهُ موقفٌ من اتفاقيةِ وادي عربة واتفاقية الغاز والتنسيقِ السياسيِ والأمنيِ مع الدولِ ذاتِ العلاقة، وكلُ هذا له حساباتهُ في الدبلوماسيةِ الدوليةِ.
الملكُ الذي حثَ الدولةَ على التضحيةِ بكلِ شيءٍ من أجلِ صحةِ المواطنِ، جاهزٌ اليومَ ليضحي بكلِ شيءٍ من أجلِ كرامةِ الأردنِ وهويتهِ واستقلالهِ، وأمامَ هذهِ المواقفِ المبدئيةِ لا يُطرحُ السؤالُ عن الإمكانياتِ الماديةِ والعسكريةِ والسياسيةِ بل عن القيمةِ والمبدأ الذينِ يحميهما الملكُ والشعبُ، ويضحيانِ من أجلهما، وهما حمايةُ أرضِ الأردنِ وهويتهِ، والحياةُ موقفٌ.
الصدامُ الذي أشارَ لهُ الملكُ ليسَ دعوةً للحربِ، ولكنَهُ إعلانٌ استراتيجيٌ أن الأردنَ سيكونُ رقماً صعباً في مواجهةِ أي مغامرةٍ سياسيةٍ رعناءَ تستهدفُ وجودهُ، وإنَ الرهانَ على صعوباتهِ الاقتصاديةِ أو حالةِ الضعفِ العربيِ العامِ، لن تُرَكعهُ للتنازلِ عن هويتهِ أو عن أرضهِ، وأظنُ بالإصرارِ على هذهِ الإرادةِ الحرةِ رح يفهم جنابه!!

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock