أفكار ومواقف

الصراع على الموصل

الصراعات الإقليمية على المدن العربية تصل ذروتها في مرحلة حسم الفوضى الإقليمية التي تضرب بالمنطقة منذ أكثر من خمس سنوات؛ أحد الأمثلة التي تبرهن على حجم الصراعات الإقليمية واتجاهاتها وحجم الغطرسة الإقليمية الجديدة المعلنة وبقوة السلاح ما يحدث في هذه الأثناء من صراع حول مستقبل مدينة الموصل التي ما تزال تحت سيطرة تنظيم “داعش” وهو الصراع المتمثل في معركة وصلت إلى كسر عظم بين الأتراك وإيران والأكراد في أجواء موت النظام الإقليمي العربي وضعف السلطة في بغداد.
تركيا اليوم تحتل أراضي عربية في دولتين يعاني كل منهما هشاشة استراتيجية وسياسية غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، القوات التركية باتت تحتل الشريط الحدودي الشمالي في الأراضي السورية تحت حجة وقف تقدم الفصائل الكردية العدو التقليدي لها، وفي العراق ما تزال القوات التركية تحتل مناطق محاذية وتتمركز في منطقة “بعشيقة” شمال مدينة الموصل بعد أن دخلتها منذ أشهر.
التوتر بين السلطة في بغداد والنظام التركي وصل ذروته الأسبوع الماضي وسط تصريحات مستفزة من قبل الطرفين، والخطورة في الأمر أن هذا التصعيد يأتي في الوقت الذي تستعد فيه القوات العراقية إلى الدخول في معركة حسم مصير المدينة وتحريرها من تنظيم “داعش”. الخطاب السياسي التركي يحمل فيضا من المبررات الطائفية تحت حجج تقول بأن العملية العسكرية العراقية سوف تعمل على تغيير هوية المدينة السنية حيث ذهب الرئيس التركي طيب رجب اردوغان إلى القول بأان بلاده لن تسمح بسيطرة طائفية على الموصل “يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السنة العرب والسنة التركمان والسنة الأكراد”، وهذا الخطاب السياسي الذي لا توجد أدلة على الأرض تؤيده ولا يمكن فهمه بدون نظرة أوسع للمشروع التركي في المنطقة تقابله ممارسات من نوع آخر للسلطة العراقية تتماهي طائفيا في المشروع الإيراني.
ولهذا يمكن فهم صيغة الحشد الشعبي الذي يعد القوة الضاربة حاليا في مواجهة التنظيمات السنية المتطرفة وفي مقدمتها “داعش” مقابل قيام القوات التركية الموجودة فوق الأراضي العراقية بتشكيل وتدريب قوات جديدة من العرب والتركمان السنة وتحت مسمى “الحشد الوطني”، فيما تتراجع فرص التنسيق المشترك حيث تتحول المواجهة تدريجيا بدل أن تكون صوب “داعش” إلى مواجهة محتملة بين الحشدين الشعبي والوطني بكل ما يحملانه من حمولة طائفية في حين لم يحسم بعد موقف اربيل والقوات الكردية التي ازداد نفوذها مؤخرا في جوار الموصل ومناطق العرب السنة.
تشكل مدينة الموصل عقدة صراعية تاريخية ومحط أطماع القوى الإقليمية منذ زمن طويل، وهي عاصمة العرب السنة التي يقطنها نحو 700 ألف عراقي وتعد مصدر الثروات الطبيعية في الشمال، لهذا فإن الصراع اليوم حول مستقبل المدينة بعد تحريرها من “داعش” يعني نقطة مركزية في إعادة رسم خرائط الجغرافيا والسياسة والمصالح الجديدة، ومن هنا يمكن فهم لماذا يتباطأ العالم في القضاء على “داعش” وعلى الإرهاب؟ وكيف تحولت الفوضى الإقليمية إلى ساحة أمامية لتوزيع المغانم وإدارة المصالح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock