ترجمات

الصراع على سياسات الهوية (1): سياسات الهوية تعزز الديمقراطية

ستيسي أبرامز – (فورين أفيرز) شباط (فبراير) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أدت الاضطرابات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة إلى إعادة تنشيط نقاش قائم منذ وقت طويل حول دور الهوية في السياسة الأميركية -وفي الانتخابات الأميركية بشكل خاص. ولطالما كانت السياسة الانتخابية مؤشرا على التغيير الاجتماعي. وعلى مدى مئات السنين، كان جمهور الناخبين محدودا بسبب القوانين التي حرمت بشكل صريح النساء والأميركيين من أصل أفريقي ومجموعات أخرى من الحق في التصويت. (ما تزال الجهود الرامية إلى الحرمان من الحق في التصويت وإحباط ظهور الناخبين في مراكز الاقتراع مستمرة، في أشكال أقل علانية، وإنما بنفس النوايا السيئة). وعندما كسبت الفئات المهمشة الوصول إلى صناديق الاقتراع في نهاية المطاف، استغرقها الأمر بعض الوقت لتنظيم نفسها حول معارضة الأشكال المخصوصة من التمييز وسوء المعاملة التي ما تزال تعاني منها –وتطلب الأمر وقتا أطول أيضاً حتى تستجيب الأحزاب السياسية والمرشحون لمثل هذا النشاط.
مع ذلك، عملت التغيرات الديمغرافية والتقنية السريعة على تسريع هذه العملية، معززة مطالب المجموعات باشتمالها وضمها إلى المجموع، ورافعة منسوب التوقعات في المجتمعات التي كانت مجبرة منذ وقت طويل على القبول بوتيرة بطيئة للتغيير. في العقود الماضية، أصبح الناخبون في الولايات المتحدة أصغر سناً وأكثر تنوعاً من الناحية العرقية. وفي الأثناء، أحدثت وسائل التواصل الاجتماعية تغييراً في المشهد السياسي. وعلى سبيل المثال، يلتقط “فيسبوك” أمثلة عن اللامساواة ويجعلها متاحة للمطالعات والمشاركات التي لا تنتهي. ويوجِد “تويتر” صلة بين الذين لا صوت وبين صانعي الأخبار. ويخلِّد “إنستغرام” وجوه التمييز وتداعياته. وفي كل ذلك، يتم ضم حوادث الوحشية المعزولة في سرد واحد قوي عن التهميش، والذي يدفع الناس إلى صياغة قضية مشتركة.
شجعت هذه التغيرات الناشطين والمعارضين السياسيين على التقدّم بمطالبات ذات مستوى عالٍ من الدقة –تناول الهويات التي استخدمتها المجموعات المهيمنة في قمعهم وتحويلها إلى أدوات لتحقيق العدالة الديمقراطية. وفي المقابل، يعمد منتقدو هذه الظاهرة، بمن فيهم فرانسيس فوكوياما (في مقاله المعنون “ضد سياسات الهوية”، أيلول (سبتمبر)/ تشرين الأول (أكتوبر) 2018)، إلى إدانتها باعتبارها شكلاً من “سياسات الهوية”. لكن نقد فوكوياما يرتكز إلى عدد من الأحكام الخاطئة. أولاً، يشكو فوكوياما من أنه “مرة تلو المرة، أصبحت المجموعات تعتقد بأن هوياتها –سواء كانت وطنية، دينية، عرقية، جنسية، جندرية أو غير ذلك- لا تتلقى الاعتراف الواجب”. وفي الولايات المتحدة، أصبحت المجموعات المهمشة تعتقد بذلك في الحقيقة –لأنه صحيح. كما يحذر فوكوياما أيضاً من أن الأميركيين أصبحوا ينقسمون “إلى فئات قائمة على هويات تضيق باطراد، مهددة إمكانية المداولة والعمل الجماعي الذي يقوم به المجتمع ككل”. لكن ما يرثيه فوكوياما ويعتبره “تشظياً” ما هو في الحقيقة إلا نتيجة لتغلب المجموعات المهمشة أخيراً على الجهود التي بُذلت على مدى قرون من أجل محوها من النظام السياسي الأميركي –وهو نشاط سيكون من شأنه أن يعزز الحكم الديمقراطي، لا أن يهدده.
مصيدة الطبقة
يزعم فوكوياما أن الحزب الديمقراطي “لديه خيار رئيسي ليقوم به”. يستطيع الحزب، كما كتب، أن يواصل “مضاعفة الجهود لتعبئة مجموعات الهوية التي تزوده اليوم بالناشطين المتحمسين: الأميركيين الأفارقة، واللاتينيين، والنساء العاملات، ومجتمع المثليين، وهكذا”. أو أنه يستطيع أن يتخذ المسار الذي يفضله فوكوياما، بالتركيز أكثر على القضايا الاقتصادية في محاولة لـ”استعادة بعض من ناخبي الطبقة العاملة البيضاء… الذين انشقوا وانضموا إلى الحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة”.
يدعي فوكوياما ومنتقدون آخرون لسياسات الهوية بأن الفئات العريضة، مثل الطبقة الاجتماعية، تضم مجاميعاً، وأن كل الانتباه يجب أن يتركز على البنى العريضة أكثر من المظاهر الفرعية لانعدام المساواة. لكن مثل هذه الأطروحة تفشل في الاعتراف بأن هناك البعض من أعضاء أي طبقة اجتماعية مخصوصة، والذين يتمتعون بامتيازات لا يتمتع بها آخرون في جماعتهم نفسها. وثمة وفرة من الأمثلة في التاريخ الأميركي على أعضاء من مجموعات مهيمنة، والذين تخلوا عن التضامن الطبقي بعد استنتاج أن الفرصة لعبة محصلتها صفر. وقد وجه المقموعون غضبهم العاجز في كثير من الأحيان إلى أولئك الذين يحتلون مرتبة متدنية للغاية على السلم الاجتماعي، حتى إلى حد محاولة القيام بثورة. ويصح هذا بشكل خاص في الفئة الجامعة المعروفة باسم “الطبقة العاملة”.
يمتد الصراع بين العاملين السود والبيض عائدا وراء إلى أبكر الحقب في التاريخ الأميركي، التي شهدت توترات بين العبيد الأفارقة والخدم الأوروبيين العاملين بالسخرة. كما لوثت العنصرية والتمييز على أساس الجنس منذ وقت طويل القصة البطولية لحركة العمال الأميركية –وهي تشوهات ساهمت في صعود طبقة وسطى منفصلة، وفي إحداث تفاوت مستمر بين الرجال والنساء من حيث الأجور، وهي فروقات فاقمتها الاختلافات العرقية. وفي الحقيقة، لطالما اعتمدت الطبقة العاملة الأميركية باستمرار على الملونين والنساء للضغط من أجل تحسين وضع العمال، لكنها كانت بطيئة في ضمهم في انتصارات الحركة.
تتجاهل النصيحة السهلة بالتركيز فقط على الطبقات هذه الصلات المعقدة بين الأفكار الأميركية عن العرق، والجندر، والاقتصاد. وكما يلاحظ فوكوياما نفسه، فقد كان من الصعب “عقد تحالفات عريضة للنضال من أجل إعادة توزيع الثروة”، بما أن “أعضاء الطبقة العاملة الذين ينتمون أيضاً إلى مجموعات هوية تتمتع بمكانة أعلى (مثل البيض في الولايات المتحدة) يميلون إلى مقاومة تبني قضية مشتركة مع أولئك الذين هم أدنى منهم، والعكس صحيح”. كما تشكك استراتيجية فوكوياما المفضلة أيضاً في النجاح الذي حققه الحزب الديمقراطي في العام 2018 عن طريق الانخراط فيما يزدريه باعتباره “سياسات هوية”.
في العام الماضي، كنت مرشحة الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم الولاية في جورجيا، وأصبحت أول امرأة أميركية من أصول أفريقية في التاريخ الأميركي، يرشحها لمنصب الحاكم حزب سياسي رئيسي. وفي حملتي الانتخابية، قمت بتسليط الضوء عمداً وبقوة على مجتمعات الملونين والمجموعات المهمشة الأخرى، ليس من أجل إقصاء الآخرين، وإنما من أجل تحقيق الاعتراف بالحاجات الخاصة لهذه المجموعات في معترك السياسة. ودافعَت حملتي عن إجراء إصلاحات بتهدف إلى القضاء على حوادث إطلاق الشرطة النار على الأميركيين الأفارقة، وحماية مجتمع المثليين ضد تشريع الحرية الدينية المصطنع، وتوسيع برنامج الإعانات الطبية لإنقاذ المشافي الريفية، وإعادة التأكيد على أن المهاجرين غير المسجلين يستحقون التمتع بحمايات قانونية.
رفضتُ في حملتي قبول فكرة أن الناخبين الأكثر تأثراً بهذه السياسات سوف يدعمون ترشيحي بلا استثناء لأنني عضو في مجموعة أقلية. (الحقيقة هي أن الناس عندما لا يسمعون المرشحين وهم يخاطبون قضاياهم بمصداقية، ينصرفون بشكل عام عن التصويت في الانتخابات). وقد بنت حملتي تحالفاً غير مسبوق من الناس الملونين، والبيض الريفيين، وسكان الضواحي، والشباب في “ديب ساوث”، لأنها عبرت عن تفهم للمخاوف الفريدة التي تنطو عليها كل مجموعة بدلاً من محاولة خلق صورة زائفة عن الوحدة الكلية. ونتيجة لذلك، وفي انتخابات نصفية اتسمت بمعدل ظهور قياسي للناخبين في مراكز الاقتراع والذي وصل إلى نحو أربعة ملايين ناخب، تلقيت أصواتاً أكثر من أي ديمقراطي آخر في تاريخ جورجيا، وقصّرت عن الانتصار بمجرد فارق ضئيل هو 54.000 صوتاً في عملية انتخنابية خالطتها مخالفات التصويت التي أفادت خصمي.
رقشات مختلفة
فيما وراء السياسة الانتخابية، يقول فوكوياما وآخرون أن المجموعات المهمشة، عندما تستدعي الفروقات العرقية أو الثقافية أو الجندرية أو الجنسية، إنما تلحق الضرر بأنفسها وبقضاياها. وبسرد الاختلافات التي تميزها والاحتفاء بها، كما تقول الأطروحة، فإنها تمنح خصومها أسباباً للمزيد من إقصائها. لكن الأقليات والمهمشين لا يملكون خياراً آخر سوى النضال ضد أساليب معينة من التمييز الذي يُمارس ضدهم. لم يكن المهمشون هم الذين خلقوا سياسات الهوية: كانت هوياتهم مفروضة عليهم من قبل الجماعات المهيمنة، بحيث أصبحت هذه السياسات أكثر أساليب الثورة فعالية.
في إطار السعي إلى التدارك وضم المهمشين، ستكون الخطوة الأولى هي التعرف إلى الحواجز التي تقف أمام دخولهم المجتمعات: طائفة من القوانين والقواعد غير الرسمية الرامية إلى نفي، وإضعاف، وعزل المهمشين. وقد تفاوتت الأساليب التي استثنت بها الولايات المتحدة النساء، والأميركيين الأصليين، والأميركيين الأفارقة، والمهاجرين، ومجتمع المثليين من الحق في الامتلاك، والإنجاز التعليمي، والتحرر السياسي؛ وكذلك فعلت أيضاً أكثر الأساليب نجاعة لمحاربة الضم –ومن هنا تجيء الحاجة إلى انتهاج سياسات تحترم وتعكس الطبيعة المعقدة لهذه الهويات والطرق التي تتقاطع بها.
إن الأساس لتحقيق التقدم المستدام هو توفير الحمايات القانونية المتأسسة على وعي بالطريقة التي استُخدمت بها مسألة الهوية لحرمان بعض الفئات من الفرصة. وعلى سبيل المثال، ليس مجتمع المثليين مشمولاً بالحمايات المدنية، وهو ما يعني أن أعضاءه ربما يفقدون وظائفهم أو حقهم في السكن أو التبني. وتُلحق قوانين منع الإجهاض الضرر بشكل غير متناسب بالنساء الملونات وذوات الدخل المتدني من كل عرق، وتؤثر على قدرتهن الاقتصادية وتهدد حياتهن نفسها. ويتطلب قمع الناخبين وحرمانهم من التصويت، وهي الأداة الأكثر خبثاً لإحباط فعالية سياسات الهوية، تجديد قانون حقوق الانتخاب للعام 1965 وإجراء إصلاحات كبيرة على مستوى الولاية والمستويات المحلية.
عندما تصر المجموعات الأكثر تأثراً بهذه القضايا على الاعتراف باختلافها الجوهري، فإنها لا ينبغي أن تعامل على أنها تقسيمية. سوف يؤدي اعتناق التواريخ والهويات المميزة للمجموعات في دولة ديمقراطية إلى تحسين تكوين وقدرة المجموع. وعلى سبيل المثال، عن طريق المطالبة بالاعتراف بالخصائص الفريدة للأنوثة -وبالنسبة للنساء الملونات، خبرة إيواء التقاطع بين الجنس المهمش والعرق- أوضحت النسويات كيف أن هذه الخصائص يمكن أن تُستدعى لتحسين أحوال الكل. ولنأخذ، على سبيل المثال، قانون العائلة والإجازات المرضية، الذي دفعت النسويات في الأصل من أجله لكي يضمن حق النساء في الولادة والاحتفاظ بوظائفهن مع ذلك -وإنما الذي أصبح الرجال يعتمدون عليه أيضاً لأخذ عطلة من العمل للعناية بالأبناء أو الوالدَين المسنين.
لقد تطور التحول الديمغرافي والاجتماعي الراهن نحو التنوع في الولايات المتحدة إلى جانب اتجاه نحو قدر أكبر من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. وترتبط هذه التطورات المتوازية، وإنما المتمايزة، معاً بشكل وثيق يتعذر فصمه. لقد أسفر دخول المهمشين إلى أماكن العمل، والمشاعات، والجسم السياسي –والذي تحقق من خلال التقاضي والتشريعات- عن خلق محددات رجعية على موقفهم القانوني وقيود قصد منها إسكات صوت شكاواهم والحيلولة دون علاج مكامنها. ولن يكون الترياق الطبيعي لهذه الحالة إعادة تموضع ضمن توصيفات عامة عديمة الشكل ومجردة من السياق أو السمات والفوارق. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يسعى الأميركيون بشكل مدروس إلى وضع سياسات موسعة واعية بالهوية. وتشكل الأصوات الجديدة، النابضة الصاخبة، أقوى أداة لإدارة الآلام المتنامية التي يفرزها تعايش الثقافات المتعددة. وعن طريق اعتناق الهوية، بمعالمها الشائكة وغير المريحة، سوف يصبح الأميركيون أكثر احتمالاً لأن يمضوا قدما معاً، كأمة واحدة.

*شغلت ستيتي أبرامز منصب زعيم الأقلية في مجلس النواب في جورجيا من العام 2011 إلى العام 2017، وكانت مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات ولاية جورجيا للعام 2018.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Fight Over Identity Politics: IDENTITY POLITICS STRENGTHENS DEMOCRACY

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock