ترجمات

الصراع على سياسات الهوية (2): سياسات الهوية يمكن أن تقود إلى التقدم

جون سايدز؛ مايكل تيسلَر؛ ولين مافيريك* – (فورين أفيرز) شباط (فبراير) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يقول فرانسيس فوكوياما إن “سياسات الهوية أصبحت مفهوماً رئيسياً يفسر الكثير مما يحدث في الشؤون الدولية”. ويحيل طائفة من التطورات السياسية في الولايات المتحدة وفي الخارج -خاصة ظهور القومية الشعبوية- إلى سياسات الهوية. وحسب فوكوياما، فإن صعود سياسات الهوية أشبه بالسقوط من الجنة. وبالنسبة له، فإن “معظم سياسات القرن العشرين كانت تتحدد بالقضايا الاقتصادية”. لكن الستينيات، كما كتب، شهدت اعتناق حركات الحقوق المدنية، والنسوية، والحركات الاجتماعية الأخرى سياسات الهوية. وفيما بعد، كما يزعم، حذت قوى من اليمين السياسي حذوها، فاستعارت “لغة اليسار وتعريفاته”. ويحذر فوكوياما من أنه في حال واصلت المجتمعات الديمقراطية “الانقسام إلى فئات قائمة على هويات تضيق باطراد”، فإن النتيجة ستكون “انهيار الدولة، وفشلها في نهاية المطاف”.
لا شك في أن الهوية تشكل في الحقيقة “مفهوماً رئيسياً” ضرورياً لفهم السياسة الأميركية. لكن لسياسات الهوية تاريخ أطول بكثير من الذي يصفه فوكوياما. وفي الولايات المتحدة، لم تقد سياسات الهوية إلى انهيار الديمقراطية؛ بدلاً من ذلك ساعدت هذه السياسات الديمقراطية على الازدهار.
قصة الأصل
حسب ما يقول فوكوياما، ظهرت سياسات الهوية أول الأمر في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي الحقيقة، كان الأميركيون منخرطين في سياسات الهوية منذ تأسيس الجمهورية. وإذا كانت سياسات الهوية قد غذت النضال من أجل الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة، فكذلك فعلت أيضاً مع النضال من أجل تأسيس التفوقية وضمانها على يد أنصار العبودية وجيم كرو. وبعبارات أخرى، لا تكمن سياسات الهوية خلف جهود المجموعات المهمشة لكسب الاعتراف فحسب: إنها تدفع أيضاً جهود المجموعات المهيمنة لتهميش الآخرين.
يعتقد فوكوياما بأن سياسة الهوية قطعت شوطاً أبعد من اللازم عندما شرعت مجموعات مثل الأميركيين الأفارقة في “التأكيد على هوية منفصلة”، و”المطالبة بالاحترام (لأعضائها) باعتبارها مختلفة عن المجتمع السائد”. وإذا وضعنا جانباً مدى دقة هذه العبارة في تشخص هدف مثل هذه المجموعات بالشكل الصحيح، فإن من المهم الاعتراف أيضاً بأن سياسات الهوية عرَّفت أيضاً من يكون -أو لا يكون- جزءاً من “المجتمع المهيمن” في المقام الأول.
في رأي فوكوياما، كانت السياسات الأميركية تتمتع بصحة أفضل عندما تنظم الأميركيون -وخاصة أولئك في اليسار- حول المخاوف الاقتصادية التي تسامت على الفئات العرقية. وكتب: “في الحقب السابقة، استدعى التقدميون الخبرة المشتركة من التعرض الاستغلال والشعور بالسخط من الرأسماليين الأغنياء”. ولكن، لم تكن هناك أي حقبة في التاريخ الأميركي شهدت انفصالاً واضحاً للاقتصاد عن الهوية. وعلى سبيل المثال، كما وثق العالم السياسي آيرا كاتزنيلسون، فإن برامج الرفاه الاجتماعي في حقبة “الصفقة الجديدة” كانت مستندة إلى التمييز العنصري: فقد اعتمد الرئيس الأميركي فرانكلين روزيفلت على دعم أنصار الفصل العنصري، والذي كسبه عن طريق السماح للولايات الجنوبية بالحيلولة دون تمتع السود بمنافع “الصفقة الجديدة”. كانت الهوية -وخاصة الهوية العرقية/الاثنية- دائماً عنصراً جوهرياً في النضالات من أجل الفرصة الاقتصادية والمساواة.
لا يعني هذا القول إن سياسات الهوية اليوم هي أسلافها التاريخية نفسها. إن ما يجعلها مختلفة هو مدى وقوة ارتباط وجهات النظر الأميركية إزاء الهويات الإثنية والعرقية والدينية بهوية أميركية بارزة أخرى: الانتماء الحزبي. قبل وقت طويل من العام 2016، كان ناخبو الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري، قد شرعوا في الافتراق في وجهات نظرهم حول الهجرة والمساواة العرقية، فأصبح الديمقراطيون أكثر دعماً للهجرة وأكثر رغبة في إحالة انعدام المساواة العرقية إلى التمييز العنصري. وأصبح الجمهوريون أقل دعماً للهجرة وأكثر ميلاً إلى إحالة أسباب انعدام المساواة العرقي إلى كسل الأميركيين الأفارقة وعدم بذلهم ما يكفي من الجهد في العمل. وقد ازداد هذا الافتراق حدة خلال فترة ترشيح باراك أوباما ورئاسته، بينما أصبحت توجهات البيض العرقية ترتبط بقوة أكبر بهوياتهم الحزبية.
ربما يكون هذا الاتجاه ليتسارع أكثر مما فعل لو أن القادة السياسيين الرئيسيين حاولوا استغلاله. لكن أوباما تحدث فعلياً عن العرق أقل مما فعل الرؤساء الديمقراطيون الأخيرون، واستخدم في كثير من الأحيان خطاباً سعى إلى توحيد الأميركيين القادمين من مختلف الخلفيات العرقية. وفي الوقت نفسه، اختار منافسا أوباما الجمهوريان في الانتخابات الرئاسية للعامين 2008 و2012، جون ماكين وميت رومني، عدم تأجيج المخاوف من أوباما على أساس عرقي.
لكن دونالد ترامب كان مختلفاً، وأسهمت تصريحاته الاستفزازية عن العرق، والهجرة، والإسلام في تعريف انتخابات 2016. ونتيجة لذلك، في جزء منها، أصبحت وجهات نظر الأميركيين إزاء مثل هذه القضايا مؤشرات أكثر قوة على كيفية تصويتهم. وعلى سبيل المثال، مقارنة بالانتخابات السابقة، كان من الأسهل تقرير الكيفية التي صوت بها الناس في العام 2016 بناء على ما إذا كانوا يريدون طريقاً إلى منح الجنسية للمهاجرين غير المسجلين أو اعتقادهم بأن اللامساواة العرقية هي مجرد مسألة أقليات “لا تحاول أن تبذل ما يكفي من الجهد”. وفي الأثناء، اكتسبت القضايا الاقتصادية قوة سياسية أكبر عندما جرى تمريرها من خلال منشور العرق. وفي وقت يعود وراء إلى الانتخابات التمهيدية للجمهوريين في العام 2016، تعلق الأمر بما إذا كان الناخبون الذين دعموا ترامب قلقين إزاء فقدان وظائفهم أقل مما تعلق بالقلق من فقدان البيض وظائفهم لصالح الأقليات العرقية.
خيار مَن؟
منذ الانتخابات، كان هذا الاصطفاف في التحزب والمواقف إزاء العرق والهجرة يزداد حدة باطراد، وكان له أثر مهم في تكوين أطروحة فوكوياما. وتشبه الأجندة السياسية التي يفضلها فوكوياما أجندة الناخبين الديمقراطيين والحزب الديمقراطي. فهو يؤيد العثور على آليات لمعالجة عنف الشرطة ضد الأقليات والتحرش الجنسي بالنساء، ويعترف بالمواطنة بحق الولادة، ويريد هوية أميركية تكون قائمة على المثُل أكثر مما تتصل بقومية “الدم والتراب”.
تأتي المعارضة الأكثر قوة لمثل هذه الأفكار من إدارة ترامب وحلفائها وأنصارها الجمهوريين. ومع ذلك، لا يضع فوكوياما على الجمهوريين عبء معارضة ترامب ورفض توجهاته. وحسب وجهة نظره، فإن “الخيار الرئيسي” يعود إلى الحزب الديمقراطي، الذي ينبغي أن يقرر ما إذا كان سيركز جهوده على “تعبئة… مجموعات الهوية”، أو على “محاولة استعادة بعض من ناخبي الطبقة الوسطى البيض… الذين انشقوا” عنه وذهبوا إلى الحزب الجمهوري. ولكن، إذا كان فوكوياما يريد عملاً فيدرالياً لتطبيق أجندته السياسية في حقبة موسومة بوجود حكومة منقسمة وأغلبيات ضيقة في الكونغرس، فإن العبء الحقيقي في دعم أفكاره يقع على الجمهوريين. وإذا كان يريد هوية أميركية قائمة على القيم المشتركة ومفتوحة لكل الأميركيين -حتى أولئك الذين جاؤوا مما سمّاها ترامب “دول حفرة البراز”- فإنه سيحتاج عندئذٍ إلى أن يقف بعض الجمهوريين على الأقل في وجه ترامب.
ربما يقف فوكويامام ضد سياسات الهوية، لكن سياسات الهوية تظل حاسمة أيضاً لنجاح الأجندة التي يدعمها. وقد أظهر التاريخ أن التقدم في اتجاه المساواة لا يحدث بفعل المصادفة، أو من تغير مفاجئ في الرغبات في الكابيتول هيل، أو نتيجة لشهامة المجموعات المهيمنة. بدلاً من ذلك، يحدث التقدم عندما تنظم المجموعات المهمشة نفسها وتلتف حول هوياتها المشتركة. وعادة ما لا يتمتع نضالها على هذا النحو بالشعبية. وفي مسح أجري في العام 1964، بعد بضعة أشهر من إقرار “قانون الحقوق المدنية”، من بين المستطلعة آراؤهم، قال 84 في المائة من الجنوبيين و64 من الأميركيين الذين يعيشون خارج الجنوب أن قادة الحقوق المدنية كانوا يضغطون ويدفعون بسرعة كبيرة. لكن الدفع على هذا النحو كان ملجأهم الوحيد، والذي ساعد في تشكيل قوانين البلد وتوجهاته.
يريد فوكوياما هوية أميركية توحيدية -ما يسميه “هوية وطنية عقائدية”. لكن البلد قريب مسبقاً من امتلاك هذه الهوية. ووفقاً لما أظهره “بحث آراء الناخبين” أو مسح “الناخبين” في كانون الأول (ديسمبر) 2016، فإن 93 في المائة من الأميركيين يعتقدون بأن احترام القوانين والمؤسسات السياسية الأميركية مهم نوعاً ما أو مهم جداً لـ”كون المرء أميركياً”. واعتقد عدد أقل بكثير بأن من المهم أن يكون المرء مولوداً في الولايات المتحدة (55 في المائة) أو أن يكون لديه إرث أوروبي (20 في المائة) لكي يكون كذلك. وبالإضافة إلى ذلك، يضع معظم الأميركيين فعلياً سياسات الهوية في مركز العقيدة الأميركية: تعتقد أغلبية ساحقة (88 في المائة) بأن القبول بأناس من خلفيات عرقية ودينية متنوعة هو شأن مهم لكون المرء أميركياً.
ليس ثمة توتر ضروري بين سياسات الهوية والعقيدة الأميركية. والسؤال هو ما إذا كانت سياسات الهوية ستساعد الأميركيين على الارتقاء إلى مستوى اعتناق هذه العقيدة. وقد فعلت ذلك، تاريخياً.

*الكتاب الثلاثة علماء سياسة ومؤلفو كتاب “أزمة الهوية: حملة 2016 الرئاسية والمعركة من أجل المعنى في أميركا”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Fight Over Identity Politics: IDENTITY POLITICS CAN LEAD TO PROGRESS

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock