;
تحليل إخباري

الصفقة الاقتصادية لا تكفي

مازن الحمود

هنالك أسباب للأمل في أن مخرجات اللجنة الاقتصادية سوف ترى النور، تلك اللجنة التي شُكلت لتحقيق النمو الشامل المستدام الذي يكفل مضاعفة فرص العمل المتاحة للمواطنين. وقد دعا جلالة الملك في رسالته للحكومة إلى تحديد وتنفيذ خطوات فاعلة لجذب الاستثمارات الخارجية، وتحفيز الاستثمارات الوطنية.
من أسباب التفاؤل هو أن الورشة الاقتصادية شملت قياديين من قطاعات مختلفة منها الاقتصادية والحكومية والبرلمانية والأكاديمية والإعلامية وآخرين، الأمر الذي يشكل عقد أو «صفقة» بين جميع المعنيين لترجمتها الى خطط واقعية قابلة للتنفيذ. فهنالك مدرسة اقتصادية فكرية جديدة من قلب الديمقراطيات الليبرالية تقول بأن الصفقات الاقتصادية economic bargain هي سر النمو والنجاح الاقتصادي للدول، بغض النظر عن الأنظمة السياسية التي تديرها.
وبالرغم من هذا التفاؤل بالمستقبل، إلا أن النهج الذي نتبعه اليوم يدعو للقلق لأن الجهد الذي بَذلَه الأردن وما يزال يبذله لم يأت بعائد بمقدار ذلك الجهد، وهو ما جعل أزمة البطالة تستمر بالتفاقم، عاكسة مقياس الأداء الاقتصادي. ويعود أحد أسباب ذلك وكأننا في سباق متواصل على مكانة الأردن في المؤشرات الاقتصادية العالمية.
فالبيئة الاستثمارية في الأردن أفضل من نصف دول العالم حسب المؤشرات الدولية الاقتصادية الرئيسية. فترتيبنا في مؤشر سهولة مزاولة الأعمال الصادر عن البنك الدولي عام 2020 هو أعلى من دول جاءت بعد الأردن، ولكنها نجحت باستقطاب استثمارات اجنبية أكثر منا (بيانات عام 2019 من تقرير الاستثمار العالمي لعام 2022 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»: الأردن 730 مليون – هنغاريا 4،3 مليار – البرازيل 65،3 مليار– جورجيا 1،3 مليار – المغرب 1،7 مليار). كما إن تصنيف الأردن قريب جدا من تصنيف دول كبرى مستقطبة للاستثمار مثل الهند (50،558 مليار) وفيتنام (16،12 مليار) وإندونيسيا (23،883مليار). وفي أحدث تصنيف في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2019، كان تصنيف الأردن السبعين عالميا، أي أفضل من البرازيل وجورجيا، واقل بتسع نقاط فقط عن تركيا (9،54 مليار). لا أقول إنه من المنتظر أن تأتي الأردن استثمارات بحجم هذه الدول، إلا أن كثيرا من المعيقات التي تواجهنا تواجه دولا أخرى، ولكنها لم تثنيها من استقطاب استثمارات كبيرة.
ومن اهم أسباب ذلك هو عدم تركيز الحكومات المتعاقبة على أهمية تسويق إمكانيات الأردن الاستثمارية ولم تستغل الفرص المتاحة أمامها لتحقيق ذلك. ويتضح ذلك من الموازنة المتواضعة المخصصة للتسويق في هيئة الاستثمار، حيث إنها لم تتجاوز 300 ألف دينار. وبحسب الدراسة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول هيئات الاستثمار في الوطن العربي، فأقل ميزانية مخصصة لتسويق الاستثمار هو الأردن، علما بأن متوسط ميزانيات التسويق للاستثمار هو نحو 4 مليون دولار (المتوسط في بلدان OECD هي 69 مليون دولار). فاذا كان هنالك أي نية واقعية لجلب نسبة بسيطة جدا من الاستثمار الأجنبي المباشر الذي شهده العالم عام 2021 الذي بلغ 1،54 تريليون دولار، فان إعادة تقييم عمليات التسويق يجب أن تأخذ الأولوية. فلا يمكن تسويق الفرص الاستثمارية في أي بلد بـ300 ألف دينار، وخاصة بلدا مثل الأردن الذي يتمتع بأهم اتفاقيات التجارة الحرة، وبنية تحتية جيدة، وميزات أخرى عديدة. هذا المبلغ بالكاد يكفي لموقع إلكرتوني متفوق وإدارته.
وبالإضافة الى ذلك، هنالك أدوات استراتيجية لم نستغلها بعد. فقد أصبح العمل الدبلوماسي عالميا مقرون بالتجارة والاستثمار. إن الدور الذي يمكن أن تقوم به السفارات، والسفراء تحديدا، في زيادة حجم الاستثمارات الى الأردن، من خلال علاقة مؤسسية مع القطاعات المعنية الأردنية، لا يُثمّن. فللسفراء مكانة خاصة في الدول المعتمدين فيها، والأبواب مفتوحة أمامهم للقاء صاحب القرار في أي مكان. كما يمثل السفير رأس الدولة، ويتحدث باسمه، مما يعطي الثقة اللازمة والمطلوبة للمستثمر. ولتأكيد أهمية هذا الجانب، فقد قامت الحكومة البريطانية مؤخرا بضم المؤسسة المعنية بالتجارة والاستثمار الى وزارة الخارجية البريطانية، وهنالك أمثلة عديدة أخرى لذلك حول العالم. فقد يكون الوقت أصبح مناسبا لمراجعة وتفعيل مذكرة التفاهم التي وقعتها مؤسسة تشجيع الاستثمار مع وزارة الخارجية عام 2004 والتي شكلت جهدا حقيقيا وعمليا لمأسسة العلاقة فيما بينهما، كان من الممكن أن يُكتب لها النجاح في تعظيم الاستثمار الى الأردن. وقد جاء في غايات هذه المذكرة تعزيز أواصر التعاون بين الوزارة والمؤسسة للاستفادة من الشبكة الدبلوماسية المنتشرة في أنحاء العالم لتحقيق المنفعة للاقتصاد الأردني من خلال ترويج الأردن كمركز جذب إقليمي للاستثمارات الأجنبية.
قانون تنظيم البيئة الاستثمارية الجديد ومخرجات اللجنة الاقتصادية لا بد أن ترفع من شأن الأردن في المؤشرات الاقتصادية وتبعث الشعور بالارتياح والإنجاز. ولكن قيمة ذلك الفعلية قليلة إذا لم تترجم الى وظائف. فالسباق على المكانة ليس هو الهدف إلا إذا كان لتحقيق المعايير الخاطئة التي وُضعت في قانون الموازنة لقياس أداء الاستثمار. فالمكانة في المعايير الدولية هي فقط وسيلة لتحقيق غاية. ولكن الغاية لن تتحقق في ظل موازنة لا تتناسب مع مكانة الأردن وآمالها، ولا مع تحدي البطالة، والذي من المفترض أن تكون نسبها هي مقياس الأداء المؤسسي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock