تمويل اسلامي

الصكوك الإسلامية: ألمعية الحضور وتحديات الاستمرار

د. خولة فريز النوباني*

مع الانتشار الواسع للصكوك الإسلامية والحضور الطاغي، ما تزال التحديات تتبع الصكوك كأي أداة مالية مستجدة منذ بداية ظهورها الفعلي في بداية التسعينيات إلى وقتنا الحالي، وحتى نتصور الحال الذي نحن فيه فيما يتعلق بأدوات التمويل الإسلامي فإن الأداة الأشهر عالميا هي الصكوك الإسلامية تليها المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك وغيرها من أدوات التمويل الإسلامي.
وبحسب التقرير الصادر عن تومسون رويترز للربع الرابع من العام 2015 لإصدارات الصكوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقد تصدرت المملكة العربية السعودية سوق الصكوك بالنسبة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث أصدرت صكوكا بقيمة 1.385 مليون دولار أميركي، تلتها قطر بقيمة 1.608 ملايين دولار أميركي، والتي تفوقت على البحرين بقيمة 550 مليون دولار أميركي، وتليهما الإمارات بقيمة 527 مليون دولار أميركي.
وقد توقعت وكالة “ستاندرد آند بورز” بلوغ حجم إصدارات الصكوك الإسلامية العالمية، خلال العام الحالي، وانخفاض الإصدارات ما بين 50 و55 مليار دولار مقارنة بنحو 63.5 مليار دولار في 2015، ونحو 111.64 مليار دولار في 2014.
وكذلك فإن سوق الصكوك العالمية ستبقى في مستويات “أقل” خلال هذا العام مع استمرار توقف مصرف ماليزيا المركزي -أكبر مصدر للصكوك في العالم- عن الإصدار؛ حيث أعلن عن توقف إصدار الصكوك، والتحول إلى أدوات أخرى لإدارة السيولة.
وبحسب توقعات بنك التنمية الآسيوي، فإن احتياجات آسيا للعقد القادم لتمويل البنية التحتية تبلغ ما يقارب 800 بليون دولار، ونظرا لأن الصكوك تعد أداة مناسبة لتمويل المشاريع الضخمة والبنى التحتية فإنها مرشحة للعب دور مهم في استقطاب حصة لا بأس بها من هذه الاحتياجات، وإن تأملنا طبيعة الصكوك وروحها الإسلامية وإن تم إصدارها مع الأخذ بعين الاعتبار للأبعاد الشرعية فإننا من خلالها سنتمكن من اعادة الإعمار في كثير من البلدان التي لحقتها ويلات الحروب والاستفادة من إنعاش اقتصاداتها ببعد وطني.
وبذلك فإن الصكوك أداة مالية تتفوق على ذاتها لكنها بحاجة لتطبيق البعد الشرعي من الإصدار إلى الإطفاء، وهذا بحد ذاته يرتب تحديا على الهيئات الشرعية المعنية بمثل هذه الإصدارات.
إن الصكوك عبرت عن أدوات التمويل الإسلامي حول العالم لأنها وفي أصل هياكلها مبنية على عقود مالية إسلامية، مما حفز المشتغلين فيها على فهم طبيعة هذه العقود.
ولا شك أن تجهيز البنية التحتية لإصدارات الصكوك يحتاج إلى الالتفات لتحديات مهمة أولها البيئة القانونية ومدى قدرتها على استيعاب الإصدارات وتنظيمها قانونيا، فالخطوة الأولى تبدأ من القانون وبحسب المنتشر في العالم، فإن الصكوك إما أن يُنظمها قانون خاص مثل الأردن أو أن يتم تنظيمها قانونيا بشكل عام للسماح بالإصدار عبر بند في قانون الأوراق المالية ومن ثم الالتجاء للتعليمات والأنظمة في كلا الحالتين؛ فإن مرونة القانون تتطلب عدم الدخول في تقاصيل تقنية دقيقة وإنما ترك هذه التفاصيل للتعليمات والأنظمة واللوائح.
وقد بدأت السودان صاحبة الدور الريادي في الصكوك بالاستغناء عن القانون الخاص بالصكوك -والذي كانت قد أصدرته في العام 1995- للدخول في أنظمة وتعليمات عبر الأوراق المالية، ومن خلاله يتم تنظيم العمل بالصكوك التي أصبحت ثقافة تمويلية رائجة ليست بحاجة للإعلان عنها بقدر ما هي بحاجة للتنظيم لا أكثر.
إلا أن مخاطر الصكوك والتي تشتمل على مخاطر مختلفة، بالإضافة لمخاطر أدوات التمويل التقليدي من حيث البعد الشرعي هي ما يجب أن يتم الالتفات له من قبل الجهات الرقابية والإشرافية؛ حيث إن أي هزة في سوق الصكوك من الناحية الشرعية من الممكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية على صناعة المال الإسلامي ككل، والسبب الأكبر يعود في ذلك إلى بُعدين مهمين هما:
– البعد الإسلامي الذي تحمله الصكوك بين جنباتها.
– البعد السيادي؛ حيث إن غالب الإصدارات حول العالم هي سيادية بالدرجة الأساس.
إن الصكوك الإسلامية تلعب دورا مركزيا بكفاءة على مستوى دول العالم الإسلامي مجتمعة، لتسهم في تجاوز مخاطر عجوزات الموازنة والاقتراض الأجنبي والخصخصة، إضافة إلى توفير السيولة اللازمة في الأوقات المناسبة، واستغلالها كأداة مثالية للاستثمار وتشجيع التمويل على المستوى الوطني وعلى مستوى تحقيق الوحدة الاقتصادية ولو عبر أداة بحجم الصكوك بدأت كأداة تمويلية فريدة بعد أن كاد التصور للتمويل الإسلامي لا يكاد يفارق عقد المرابحة.
إن نجاح الصكوك كأداة فاعلة بحاجة إلى بنية شرعية، قانونية، تمويلية، تجعل من هياكل الصكوك المتنوعة فرصة متاحة للراغبين في الاستفادة منها كأداة إسلامية مساندة للسياسات النقدية، وبديل يوفر حلولا مالية تخدم التنمية والمصالح الوطنية بأسلوب إسلامي ينطوي على ربحية عالية في كثير من الأحيان وبضمان حكومي يقلل من المخاطر.
ومن الأمور المهمة أيضا ما تحققه الصكوك من بعد تنموي وطني في غالب الإصدارات المحلية؛ حيث إن المواطن هو المستفيد من أرباح المنجزات الوطنية التي يتم تنفيذها عبر الصكوك، ولتوضيح ذلك فإن بناء الطرق السريعة وتحصيل رسوم العبور إذا استفاد منه المواطن ليس عبر تنقلاته فحسب وإنما بعودة جزء من الأرباح إلى جيبه بما أنه شريك فعلي وحامل لصك هذا الإنجاز فإنه من غير المتصور أن يُقدم على تخريبه أو إساءة استخدامه تماما كالمسهم في شركة مساهمة بأسهم للاحتفاظ فإنه ينتظر العوائد في آخر العام ويشترك مع الآخرين بها وبالتالي هو حريص على هذه المؤسسة أشد من حرص غيره، ونحن هنا نبني انتماء حقيقيا بشراكة حقيقية أبعادها ترسم خطوطا عميقة في ثقافة الانتماء للوطن.
لا شك أن التفكير في مستقبل الأدوات المالية الإسلامية وتطويرها بما يخدم المستجدات ينطوي على حاجة لعقول مبدعة تبذل جهدها للاستفادة من التجارب الناجحة في اتجاه التعميم ونشر نجاحات صناعة المال الإسلامي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النجاحات بحاجة للبناء عليها وتجاوز سلبيات القائم منها، والاهتمام بالابتكار للأدوات المالية الإسلامية التي لا ترتبط بتمويل الاستهلاك فحسب، وإنما تلك التي ترتبط بتمويل احتياجات الدولة الرأسمالية.
بالإضافة إلى البعد المهم الذي طالما نادينا به، وهو الاهتمام بالبعد الشرعي للإصدارات وأهمية متابعة مفهوم الاجتهاد والترجيح في أبعاد تؤثر على سمعة التمويل الإسلامي ككل ولذلك وحتى نضمن حدا من الحوكمة والشفافية فإن الدور يقع على الجهات الرقابية والإشرافية لأخذ مسألة الصكوك والتمويل الإسلامي على محمل الجد والمسؤولية بما يحقق البعد التنموي الرابح لكل الأطراف والعادل في الوقت ذاته.

* خبيرة في التمويل الاسلامي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock